في ركنٍ هادئٍ يطلُّ على متغيِّرات الحياة، وازدحام المُعطيات، كان هناك كاتبُ رأيٍ تطلُّ نافذته على مجتمعٍ مزدحم. كاتب قد يتجاهله الكثيرُ مع زحام التواصل الاجتماعيِّ، لكنَّهم يعرفُون كلماته، وكانُوا يسمُّونه "الضَّمير".
أهميَّته كانت في أنَّه لا ينقل الضَّجيج، بل يهدئه. عندما يزدحم المجتمع بالآراء، يأخذ نفسًا عميقًا ثمَّ يكتب. لا يخبر النَّاس ماذا حدث، فالكل سمع، بل يشرح لهم ماذا يعني هذا الخبر لحياتهم؟ ولماذا يجب أنْ يفكِّرُوا فيه بهدوء قبل أنْ يحكموا. كان هو الذي يحول الفوضى إلى فهم، والارتباك إلى وعي.
ومع هذه الأهميَّة كانت هناك مسؤوليَّة ثقيلة، وهي مسؤوليَّة الكلمة. كان يعلم أنَّ الحبر الذي يسيل من قلمه لا يُمحَى، وأنَّ الكلمة عنده أمانة. وكان يُوصي نفسه دائمًا بهذه الوصية التي تقول: أنتَ مرآةُ المجتمعِ التي تحتاجُ إلى ضميرٍ يرتقي بالكلمةِ وبالمعنَى. فإذَا انحنتِ المرآةُ، انحنَى الفهمُ. وإذَا صدأتْ، تشوَّهتِ الحقيقةُ. فامسحها بصدقِك، واجعلها تعكس الصورة كما هي، لا كما يريدُها الضَّجيجُ. وبتعبير دقيق من أهل الإعلام: أنتَ المخرجُ الذي يرسم حقيقة الصُّورة.
كان يقول لنفسه قبل أنْ يرسل مقاله: إنَّ هذه الكلمة سيقرأها صانعُ قرار، ومفكِّرٌ، وإنسانٌ بسيطٌ وسط الزحام، فلا يظلم، ولا يضلل، ولديه مسؤوليَّة بالكلمة أنْ تصنع الاتزان للوعي. لهذا كان "الضمير" لا يصرخُ ولا يتَّهم، بل يتحدَّث كصديق قديم في وقت حاجة الرَّأي المتزن يقول انتبه هنا، وتأمَّل هناك، ولا تنسََ أنَّنا بشرٌ قبل كل شيء.
ومع الأيام صارَ النَّاسُ إذا احتارُوا يبحثُون عن مقاله. ليس لأنَّه يملك كل الحلول، بل لأنَّه يذكّرهم بميزانهم الداخليِّ. يذكِّرهم أنَّ لهم عقلًا يفكِّر، وقلبًا يشعر، وصوتًا يستحق أنْ يُسمع. وهكذا بقي كاتب الرَّأي يكتبُ؛ لأنَّ المجتمع مهما كبر ضجيجه، لا يستطيع أنْ يعيش بلا ضمير يكتب، ولا يستطيع أنْ يثق بضمير لا يعرف ثقل كلمته.


