تخيَّل أن تدخل قاعة تعلُّم؛ ثم تجد جميع الطلاب مكمّمي الأفواه، والمعلم وحده هو مَن يتحدث!! منظر صادم أليس كذلك!؟ ولكن هذا ما شعرت به في جمعية عمومية لإحدى الشركات لاعتماد قرارات مصيرية لحقوق المساهمين!.. وذلك لسيطرة الرئيس على الاجتماع، فهو الوحيد الذي يتحدث، والمساهمون ليس لهم سوى الإنصات والكتابة على الشات. وأعتقد أن مثل هذا الرئيس لا يمتلك أدنى مقومات الاتصال الفعال، وهو عِلم يُدرَّس في الجامعات، وليس عيباً أن يأخذ دورة في حسن التعامل مع أصحاب المصالح؛ فالاتصال الجيد يحدث حينما تمر الرسالة من المرسل إلى المستقبل عبر قناة خاصة، ثم ترتد عبر موجات دائرية، ليصبح المستقبل هو المرسل، والمرسل هو المستقبل.. لتحدث عملية الفهم والمعرفة والتواصل.. أما حينما تكون القناة معطلة أو مشوشة، فلن يحدث الاتصال.
تخيلوا أن جلسة جمعية عمومية تمت في ساعة وربع فقط، بما تحوي من موضوعات مصيرية، وذلك بأسلوب الاتجاه الواحد التلقيني الذي عفا عليه الزمن.
القرآن الكريم علمنا آداب الحوار في قضايا متنوعة، تشمل الحياة الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية لإصلاح الأمة، ومواقف بها الكثير من الأسئلة.. وكلمة (يسألونك) تكررت عدة مرات في القرآن الكريم، وتكون الاجابات شافية وواضحة.. (قل).. وهكذا أي سؤال لابد من الرد عليه لكي يُصلح الوضع.. لا بالمراوغة والمداهنة والتهرب من المسؤولية؛ فالمسؤولية ليست مجرد منصب وصلاحيات، بل هي التزام أدبي وأخلاقي وإداري يتطلب الشجاعة والشفافية.
إن الوضوح والشفافية من أهم مبادئ الحوكمة، فكثير ما يتشدق البعض (بالحوكمة) ولكنها في الحقيقة ليست إلا كلمة رنانة لاستغلال البسطاء.. هل تعلمون ما معنى الحوكمة؟، إنها النظام الذي تدار به المؤسسات، ويتعلق بالعدالة، والشفافية، والمساءلة، والمصداقية والموثوقية.. فهل هذه متوفرة لدى كل مجالس الإدارات في الشركات؟، كيف تكون العدالة ومعظمهم يضع مصالح الأقارب والأصدقاء فوق مصالح المساهمين؟، فلهم مراكز الخدمة ولهم منافع تشغيل وعقود مليونية، تطبّق في الواقع قبل الجمعية العمومية؛ وعلى سبيل المثال ظهر عقد بأكثر من مليون ريال في القوائم المالية لعام 2025م لأحد أعضاء مجلس الإدارة، وطلب التصويت على البند في الجمعية العمومية عام ٢٠٢٦م، أليس هذا إجراء صوري للجمعية العمومية بأخذ الموافقة؟ في حين أن الإجراء قد تم في الواقع؟.
المشكلة في الرد على السؤال الذي تعمد شخصنة الموضوع والدخول في النوايا، وهذه مسألة يعاقب عليها الرئيس قانونا. وأما الأسئلة المباشرة مثل أسباب نزول قيمة السهم؟ أسباب تدهور صافي الربح؟ أسباب تراجع أداء الشركة؟ لماذا ارتفعت المصروفات التشغيلية؟، لم يجرؤ على الرد عليها وإقناع المساهمين، بل يرجع ذلك إلى المساهمين في مجموعات الواتس آب، ولا يعترف أن صافي الربح ينتج من قسمة عائد الربح على متوسط عدد الأسهم، والذي أظهر الانحراف الكبير في قيمة السهم عن السنوات الماضية.
الحوكمة يا سادة هي أعلى مستويات (الصدق)، وهي الإفصاح الكامل لأصحاب المصالح، وأن ترحيل الاحتياطي النظامي إلى رأس المال ليس إلا لتغطية العجز، ويجب توضيح ذلك، وهنا قد يتحد المساهمون الواعون بالمخاطر مع طرح الرئيس وتقديم حلول عملية. أما المكابرة والمراوغة، فلا تزيدهم إلا تمسكاً بحقوقهم والمساءلة القانونية، ورفع قضايا ضد المتسبب في تراجع أداء الشركة.
نأمل أن تقوم وزارة التجارة بإعادة النظام (الحضوري) للجمعيات العمومية، بالإضافة إلى (عن بُعد) لإتاحة الفرصة لكل من يرغب بالحضور حسب ظروفه، مع وضع مراقب من الوزارة على إجراء التصويت الإلكتروني، فحين تفقد المصداقية، تفقد الموثوقية، وتلك من أهم مبادئ الحوكمة.


