عندما نقول إنَّ الجزيرة العربيَّة كانت خضراء، قد يذهبُ الخيالُ مباشرةً إلى غابات كثيفة كالأمازون، أشجارها متشابكة، وظلالها تحجبُ الشَّمسَ عن الأرض. لكنَّ الصورة الأقرب في معظم مناطق الجزيرة القديمة، لم تكن غابةً مغلقةً، بل بيئة مفتوحة تشبه السافانا.
وكلمة «سافانا» في أصلها، تشير إلى السهل العشبي المفتوح، حيث تمتد الحشائشُ على مساحات واسعة، وتتوزَّع الأشجارُ والشجيراتُ على مسافات متباعدة، فلا تصنع مظلَّة مغلقة فوق الأرض. ولهذا تصل الشَّمسُ إلى التربة، فتنمُو الأعشابُ بعد المطر، وتتحوَّل الأرضُ في موسم الخصب إلى بساط أخضر واسع، تتحرَّك فيه الحيواناتُ والإنسانُ.
والسافانا ليست صحراء، وليست غابةً. إنَّها منطقة وسطى بين العالمَين؛ أرض تسمح للحياة أنْ تظهر عندما يأتي المطر، ثم تقسُو عندما يطول الجفاف. ولو زادت الأمطار كثيرًا لتحوَّلت إلى غابة، ولو غاب المطرُ طويلًا لصارت صحراء. سرُّها في هذا التوازن الدقيق بين الخضرة والعطش.
ومن هنا يمكنُ أنْ نفهمَ الحرَّات البركانيَّة في المملكة بطريقة مختلفة. فنحن نراها اليوم أرضًا سوداء قاسية، مغطاة بصخور البازلت والحجارة الحادَّة، حتى يُخيَّل إلينا أنَّها كانت دائمًا بيئة طاردة للحياة. لكن خلال بعض الفترات الرَّطبة من تاريخ الجزيرة العربيَّة، خصوصًا في زمن ما يعرف بـ»الجزيرة العربيَّة الخضراء»، كانت هذه الحرَّات جزءًا من مشهد بيئيٍّ أكثر حيويَّة ممَّا نراه اليوم.
ولا يعني ذلك أنَّ كلَّ حرَّة تحوَّلت إلى سافانا دائمة تشبه سهول إفريقيا الكبرى، بل الأصح أنْ نقول إنَّها كانت، في بعض الفترات، ضمن بيئة سافانا موسميَّة أو شبيهة بالسافانا، تنمو فيها الأعشابُ بعد المطر، وتتجمَّع المياهُ في المنخفضات والمجاري، وتتحرَّك عبرها الحيواناتُ والإنسانُ.
هنا لا تعود الحرَّات مجرَّد حقول بركانيَّة صامتة، بل تصبح مسرحًا للحياة. فالصخور السوداء التي تبدو لنا اليوم جامدة، كانت تحتفظ بالماء في تجاويفها، وتوجه مسارات السيول، وتخلق بيئات صغيرة صالحة للنبات والحيوان. ومن حول هذه الموارد تحرَّك الإنسانُ، وتتبع مسارات قطعان الحيوانات، وترك فوق الحجارة آثار وجوده.
ولعل بعض المنشآت الحجريَّة القديمة، ومنها مصائد الحيوانات المنتشرة في بيئات بركانيَّة، لا يمكن فهمها بعيدًا عن هذا المشهد. فالإنسانُ لم يبنِها في فراغ، بل في أرضٍ كانت تعرف مواسم الخصب، وتمرُّ بها الحيواناتُ، وتتقاطع فيها الحاجةُ إلى الماء والغذاء والحركة.
لهذا تبدو الحرَّات السعوديَّة كأنَّها أرشيفٌ مزدوجٌ، أرشيفٌ جيولوجيٌّ يحفظ تاريخ البراكين، وأرشيفٌ إنسانيٌّ يحفظ ذاكرة الحياة فوق الأرض السوداء. وربما كانت «السافانا السوداء» هي التعبير الأقرب لهذا التناقض الجميل: بازلت قاتم في ظاهره، وذاكرة خضراء في أعماقه.


