تربطني بالسيِّد «البحر» علاقة صداقة؛ لدرجة أنَّني إذا غبتُ عنه، أجدُ منه اتِّصالًا داخليًّا في القلب ينبضُ قائلًا: فينك؟ اشتقنا والله ياحلو اشتقنا، وما علم هذا الأزرقُ اللَّون أنَّني أنا المشتاقُ، وأنا مَن يهفه الشَّوق لانْ أكون دائمًا على موعد وإيَّاه، يؤذيني أحيانًا بعض مَن يتعدَّى على البحر بقذفه بما يلوِّثه، ويلوِّث شاطئه، وادخال مواد ضارَّة (بلاستيك، فضلات، مواد كيميائيَّة)؛ ممَّا يؤثِّر سلبًا على الكائنات الحيَّة وصحَّة الإنسان، خاصَّة النفايات البلاستيكيَّة، والصَّرف الصحي، والمبيدات؛ ممَّا ينتج عنه تراكم المعادن الثقيلة والملوِّثات في الأسماك، وكذا تنامي ونمو الطحالب الضارَّة.
كنتُ قد تحدَّثتُ في احد اللقاءات الثقافيَّة، بمناسبة يوم البيئة السعوديِّ، ووضَّحتُ أنَّ أهم موضوع بالنسبة للبيئة هو التوعية بمخاطر التلوُّث، وضرورة سَن قوانين للحماية من التلوُّث في البر والبحر والجو، فالتلوث الهوائي والمائي من المصادر المسبِّبة للأمراض، وقد وجَّه الرسولُ الكريمُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- للوقاية منهما في أحاديث عديدة، ونبَّه إلى الوقاية من الأمراض بالنظافة، وأنَّها من الإيمان؛ لذلك من الأمور المهمَّة تحفيز السلوك الإيجابيِّ في التعامل مع البيئة.
نترك البيئة لأُحدِّثكُم عن صديقي البحر، وما شاهدته على شاطئه، حيث هناك ثلاثة من هواة صيد السَّمك بالسنَّارة من الرِّجال لم يحالفهم الحظ كلَّما رمُوا بالسنَّارة لم يعودُوا ولا حتَّى بخفَي حُنين، وبجوارهم سيِّدة ذات جسم رياضيٍّ، وأنيقة، وهي محتاطة من سرقة الرِّجال لجسدها بالحجاب الكامل، كلَّما ترمِي سنَّارتها تعودُ لها بسمكةٍ حتى امتلأ وعاؤها بالسَّمك، والثلاثة المناحيس ينظرُون إليها وكلهم غيظُ ممَّا حباها اللهُ به من صيدٍ، فتيقَّنتُ عندها أنَّ الرازَّق اللهُ، وتذكَّرتُ قوله تعالى: (لَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا)، وتذكَّرتُ مقولة (لوْ تجري جريَ الوحوشِ غير رزقكَ مَا تحوش)، وقلت: والله هذه المرأة «مرزوقة»، وهي في نفس المكان، والبحر واحد، هي ترمي بسنَّارتها فيرزقها الله من بحره رزقًا، وغيرها يرمُون بسناريرهم ولا يُرزقُون ويُحرَمُون، كل الآيات القرآنيَّة تنصُّ وتربط حقيقة الرزق بالله وحده -سبحانه وتعالى-، ولا شكَّ أنَّ السعي مطلوب، والأخذ بالأسباب مطلوب، لكن تبقى الحقيقة وحدها هي التي تسود على المشهد الحياتيِّ وهو أنَّ الرزق من عند الله، يرزق من يشاء بغير حساب.


