تابعتُ باهتمامٍ ما نُوقش في مجلس الشُّورى بشأن مطالبة هيئة الاتِّصالات والفضاء والتَّقنية بوضع ضوابط للتحقُّق العُمريِّ، وفرض قيود على استخدام منصَّات التواصل الاجتماعيِّ لمَن هم دون سن السادسة عشرة.
الفكرةُ ليست جديدةً، فقد سبقت إليها دولٌ عدَّة، ولكل منها تجربتها في الحدِّ من وصول الصِّغار إلى المحتوى غير المناسب، لكن قبل أنْ ننتظر نتائج هذه المطالبة، ربَّما يجدر بنا أنْ نتوقَّف عند سؤالٍ أبسطَ: ماذا يشاهدُ مَن هُم دونَ السادسة عشرة اليوم؟
الإجابةُ لم تعدْ تقتصر على مَشَاهد «العُنف»، أو «المواد الإباحيَّة»، هناك محتوى يصعبُ تصنيفه! مقاطع تجمع الرُّعب بالسُّخرية، وصوَّرًا مولَّدةً بـ»الذكاءِ الاصطناعيِّ»، ومَشَاهدَ مصمَّمة لإحداث الصَّدمة، وأفكارًا تلامسُ «الكوابيس» أكثر من كونها مادةً ترفيهيَّة، وهذا النَّوع من المحتوى لا يمرُّ على الطِّفل مرَّة واحدة، بل يتكرَّر أمامه حتَّى يصبح الغريبُ مألوفًا.
والسؤالُ يصبحُ أكثرَ إلحاحًا: إذا كان الطفلُ يعاني اضطرابًا نمائيًّا مثل التوحُّد، أو أي حالة تؤثِّر في طريقة إدراكه للمحتوى، كيف يستقبل هذه المَشَاهد؟! وكيف يفسِّرها؟ وما الأثرُ الذي قد تتركُه في سلوكه، أو في تعامله مع نفسه، ومَن حولَه؟ هذه ليست أسئلة افتراضيَّة، بل واقعٌ يستحقُّ أنْ يكونَ جزءًا من النقاش.
اللَّافت أنَّ هذا المحتوى لا يصلُ إلى الطفل بالمصادفة، بل تدفعه إليه «الخوارزميَّات» كلَّما طالت مدَّة بقائه أمام الشَّاشة، فتقترح محتوى أكثر غرابة وإثارة من سابقه، حتَّى يجد نفسه في عالم مختلف تمامًا عمَّا يتصوَّر الكبار أنَّه يشاهده.
لستُ من أنصار تحويل كلِّ قضيَّة إلى (مساحة للتَّنظير) أفضِّل دائمًا أنْ يبدأ النقاش من الواقع، وأنْ ينتهي إلى حلول قابلة للتَّطبيق، والواقعُ يقولُ: إنَّ جيلًا كاملًا يقضي ساعاتٍ طويلةً أمام محتوى لا نعرف تفاصيله إلَّا بالقدر الذي تسمح به «الخوارزميَّات» بينما يظلُّ النقاشُ -في كثير من الأحيان- محصورًا في مدَّة الاستخدام، وليس في طبيعة ما يُعرض على الشاشة.
كما أنَّنا بحاجة إلى أنْ يكون هذا الملف محلَّ دراسة متخصِّصة، لا مجرَّد انطباعاتٍ متفرِّقة، فما طبيعة المحتوى الأكثر مشاهدة لدى مَن هُم دون السادسة عشرة؟ وما آثاره على النمو الذهني والسلوكي؟ وكيف تكون هذه الآثار لدى الأطفال الذين يعانون اضطرابات نمائيَّة أو نفسيَّة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستمنح صانعَ القرار والأسرة، والمدرسة، صورةً أوضح من أيِّ اجتهادات فرديَّة.
قد يكون التحقُّق العُمري خطوةً مهمَّة، لكنَّه ليس نهاية الطَّريق، وإنَّما بداية نقاش أوسع حول البيئة الرقميَّة التي ينشأ فيها أطفالُنا اليوم، وما الذي ينبغي أنْ يصل إليهم، وما الذي يجب أنْ يتوقَّف عند بوابة العُمر.
* نقطة تحت السطر:
قد نختلفُ حول وسائل الحماية، لكنْ لا ينبغي أنْ نختلفَ على السُّؤال الذي تأخَّر كثيرًا: ماذا يشاهدُ أطفالُنا كلَّ يومٍ؟


