في كثير من المؤسَّسات التعليميَّة، لا يكون العائقُ الحقيقيُّ نقص الموارد، ولا ضعف الأنظمة، ولا حتى اشتداد المنافسة، العائقُ -غالبًا- أقلُّ ظهورًا، وأكثرُ تاثيرًا؛ إنَّه طريقة التفكير التي تُدار بها المؤسَّسة.
قد تتشابهُ الهياكلُ التنظيميَّة، وتتقاربُ الميزانيَّاتُ، وتتشابهُ اللَّوائحُ، لكنَّ النتائج تختلفُ بصورة لافتة، والسَّبب أنَّ المؤسَّسات لا تتحرَّك بعجلاتها الإداريَّة وحدها، بل بالعقل الذي يقودها، وهنا يظهر الفارق بين من يمارس الإدارة بوصفها وظيفة، ومن يتعامل مع القيادة بوصفها مسؤوليَّة إستراتيجيَّة.
الرئيسُ التنفيذيُّ لا يقفُ عند حدود متابعة الأداء اليوميِّ؛ لأنَّ التفاصيل -على أهميَّتها- ليست وجهته النهائيَّة، ما يشغله قبل كل شيء هو الاتِّجاه الذي تسير إليه المؤسَّسة، وقدرتها على البقاء، والتكيُّف، وصناعة قيمة يصعبُ تقليدها؛ لذلك فإنَّ قراراته اليوميَّة لا تُبنى بمعزلٍ عن الصورة الكبرى، بل تُقاس دائمًا بما تضيفه إلى مستقبل المؤسَّسة، لا إلى يومها فقط.
في المؤسسات التعليميَّة تزدادُ هذه المعادلة تعقيدًا؛ لأنَّها لا تنتج سلعة يمكن قياس نجاحها بالمبيعات وحدها، بل تبني إنسانًا، وتشكِّل ثقافةً، وتؤثر في مجتمع كامل، ولهذا فإنَّ عقلية الرئيس التنفيذي في هذا القطاع تختلف عن الإدارة التشغيليَّة المعتادة إنها عقليَّة تدرك أنَّ جودة المخرجات التعليميَّة تبدأ من جودة القرارات الإداريَّة، وأنَّ جودة القرارات تبدأ من وضوح الرُّؤية، لا من كثرة الاجتماعات.
ولهذا لا ينظر الرئيسُ التنفيذيُّ إلى المدرسة باعتبارها أقسامًا مستقلَّة تعمل جنبًا إلى جنبٍ، بل باعتبارها منظومة مترابطة، فأداء الموارد البشريَّة ينعكس على جودة التَّعليم، وجودة التَّعليم تؤثِّر في رضا أولياء الأمور، والرِّضا يعزِّز السُّمعة، والسُّمعة تصنع النمو. هذه العلاقات لا تُدار بالصدفة، وإنَّما بفهم عميق لكيفيَّة ترابط عناصر المؤسَّسة بعضها ببعض.
ومن هنا يتجاوز التفكير التنفيذي الانشغال بحل المشكلات بعد وقوعها، إلى بناء بيئة تقل فيها احتمالات ظهورها أصلًا، فالمؤسَّسات القويَّة ليست تلك التي تمتلك أفضل فرق لإطفاء الحرائق، بل تلك التي تُحسِّن تصميم أنظمتها بحيث تصبح الحرائق أقل حدوثًا وأكثر قابليَّة للاحتواء.
وفي المقابل، ينشغل المديرُ التقليديُّ -غالبًا- بإدارة الحركة، بينما ينشغل الرئيسُ التنفيذيُّ بإدارة الاتجاه الأوَّل يقيس نجاحه بانتهاء الأعمال المطلوبة، أمَّا الثاني فيقيسه بما إذا كانت تلك الأعمال تقرِّب المؤسَّسة من غاياتها الإستراتيجيَّة، وقد يبدو الفارق بسيطًا في الوصف، لكنَّه في الواقع الفارق الذي يصنع مؤسسات تتطوَّر، وأخرى تبقى رهينة الجهد اليومي مهما بذلت.
ولذلك فإنَّ القراءة الدقيقة للمؤشِّرات لا تعني جمع الأرقام، بل فهم القصص التي ترويها تلك الأرقام. فكل انخفاض في رضا المستفيدِين، أو تراجع في استقرار الكفاءات، أو تباطؤ في الأداء، ليس رقمًا مجرَّدًا، بل رسالة تستحق أنْ تُقرأ قبل أنْ تتحوَّل إلى أزمة، وهنا تتجلَّى قيمة التفكير التنفيذي؛ إذ يرى ما وراء المؤشِّرات، ويقرأ الإشارات المبكِّرة قبل أنْ تصبح واقعًا مكلِّفًا.
وعندما تتجذَّر هذه العقليَّة داخل المؤسَّسة، تتحوَّل القرارات من ردود أفعال متفرِّقة إلى منظومة متَّسقة، ويصبح الاستثمار في الإنسان، والثقافة المؤسسيَّة، والحوكمة، والابتكار، امتدادًا طبيعيًّا للرُّؤية، لا مبادرات موسميَّة تستجيب لضغط ظرفي أو متطلَّب مرحلي.
ولهذا فإنَّ السؤال الذي يستحق أنْ تطرحه كلُّ مؤسسة تعليميَّة على نفسها ليس: من يدير أعمالنا بكفاءة؟ بل: هل نفكر بعقليَّة تقود مستقبل المؤسسة قبل أن تدير حاضرها؟ فالإدارة تحافظ على استقرار المؤسَّسة، أمَّا العقليَّة التنفيذيَّة فتصنع مستقبلها، وبين الاثنين يتحدَّد موقعها في مشهد تعليميٍّ يتغيَّر بوتيرة أسرع من أيِّ وقتٍ مضى.



