Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

العانية بين إرث التكافل وضغوط الالتزام.. عادة اجتماعية تعيد رسم حضورها في الأعراس

A A
ظلت "العانية" أو "المعونة" لعقود طويلة إحدى أبرز العادات الاجتماعية المصاحبة للأعراس، حيث اعتاد الأقارب والأصدقاء والجيران وزملاء العمل تقديم مساهمات مالية للعريس أو لوالده، في مشهد يجسد قيم التكافل والتعاون ومساندة الأسرة في مناسبة الزواج.
ولم تكن هذه العادة تُقاس بقيمة المبلغ بقدر ما كانت تعكس عمق الروابط الاجتماعية، وترسخ معاني التآزر بين أفراد المجتمع، باعتبارها مشاركة صادقة في أفراح الآخرين ودعمًا لهم في بداية حياتهم الجديدة.
تراجع تدريجي وتغير في نمط المشاركة
إلا أن هذه العادة بدأت خلال السنوات الأخيرة تشهد تراجعًا ملحوظًا في عدد من المناطق، إذ أصبح كثير من المدعوين يكتفون بالحضور وتقديم التهنئة، أو إهداء العريس هدية رمزية مثل البشت أو العطور أو الساعات أو المستلزمات الشخصية، تعبيرًا عن المحبة والتقدير، بدلًا من المساهمة المالية التي كانت تشكل جزءًا من تقاليد الزواج في العديد من المجتمعات المحلية.
ويرى مهتمون بالشأن الاجتماعي أن هذا التغير يعود إلى تبدل أنماط الحياة، وزيادة الالتزامات المالية على الأسر، وارتفاع عدد المناسبات الاجتماعية، إضافة إلى تغير نظرة كثير من الناس للعانية، بعد أن ارتبطت في بعض المجتمعات بمبدأ ردها مستقبلًا عند إقامة مناسبة مماثلة، الأمر الذي جعل البعض يتعامل معها باعتبارها التزامًا ماليًا أكثر من كونها مبادرة تطوعية نابعة من الرغبة في المساعدة.
حضور مستمر في بعض المجتمعات
ورغم ذلك، لا تزال العانية تحافظ على حضورها في عدد من المحافظات والقرى، حيث يحرص الأقارب وأفراد القبيلة وزملاء العمل على جمع مساهمة مالية للعريس، قد تصل إلى عشرات الآلاف من الريالات عندما يشارك فيها عدد كبير من الأشخاص.
ويرى أنصار هذه العادة أنها تمثل صورة مشرقة من صور التكافل الاجتماعي، وتسهم في إدخال السرور على العريس وتخفيف بعض الأعباء عنه في بداية حياته الزوجية.
وتختلف طريقة تقديم العانية من مجتمع إلى آخر؛ فهناك من يفضل تسليمها بسرية حفاظًا على خصوصية المناسبة ومشاعر الآخرين، بينما يرى آخرون أن إعلانها أمام الحضور يعد نوعًا من التكريم والتقدير، ويشجع على تعزيز ثقافة التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.


عانية المشاهير.. حالات استثنائية
وفي بعض المناسبات، تكشف الوقائع عن استمرار العانية بصورة لافتة، خاصة عندما يكون العريس من الشخصيات المعروفة أو يحظى بقاعدة جماهيرية واسعة.
فقد ذكر أحد المشاهير أن ما وصله من عانية في حفل زواجه بلغ 350 قعودًا، إضافة إلى أكثر من 6 ملايين ريال، مؤكدًا أن جميع ما تلقاه جاء بمبادرة من محبيه ومعارفه تقديرًا لمكانته الاجتماعية وشعبيته، دون أن يطلب ذلك من أحد.
ويعكس هذا النموذج جانبًا مختلفًا من العانية، إذ ترتبط في بعض الأحيان بالمكانة الاجتماعية واتساع دائرة العلاقات، فيما يرى آخرون أن مثل هذه الحالات تبقى استثنائية ولا تمثل واقع غالبية الأعراس.
عرسان يرفضون العانية: لا نريد التزامات مستقبلية
وفي المقابل، يرى عدد من العرسان أن العانية لم تعد تحقق الهدف الذي وجدت من أجله، بل تحولت في بعض الأحيان إلى مصدر للحرج والالتزام المالي مستقبلًا.
ويقول أحد العرسان إنه يتضايق كثيرًا من تقديم العانية له، ولا يرضى بقبولها، معتبرًا أنها تضعه في موقف محرج وتلزمه بردها في مناسبات لاحقة، مضيفًا أن فرحة العريس ينبغي أن تبقى بعيدة عن أي التزامات مستقبلية قد تشغل تفكيره منذ ليلة زواجه.
وأشار إلى أن بعض الحاضرين يصرون على تقديم العانية رغم رفض العريس، وقد يصل الأمر إلى الإلحاح الشديد واستخدام القسم بالله، بل والحلف بالطلاق لإجباره على قبولها، وهو ما يفسد عليه جزءًا من فرحته ويضعه في موقف لا يستطيع معه الرفض احترامًا لمشاعر من قدمها.
دعوات للاكتفاء بالحضور والمشاركة المعنوية
من جانبه، قال عريس آخر إن الحياة تغيرت كثيرًا، وأصبحت أكثر صعوبة من الناحية المعيشية، فيما ازدادت الالتزامات المالية على معظم الأسر، الأمر الذي جعل الكثيرين غير قادرين على تقديم العانية كما كان يحدث في السابق.
وأضاف أن الأفضل أن يعلن العريس ووالده منذ البداية عدم قبول أي عانية، وأن يتقبل المدعوون هذا القرار، مبينًا أن من يقيم حفل زواجه يكون قد استعد لهذه المناسبة ورتب أموره المالية، ولا يرغب في تحميل نفسه التزامات مستقبلية، خصوصًا أنه مقبل على تأسيس أسرة جديدة تتطلب مصروفات ومسؤوليات مستمرة.


عبارات عدم قبول العانية.. ظاهرة جديدة
وبرزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة، تمثلت في تضمين بعض العرسان بطاقات الدعوة عبارة تفيد بعدم رغبتهم في تلقي العانية، وذلك رفعًا للحرج عن المدعوين، أو لعدم رغبتهم في إلزام أنفسهم بردها مستقبلًا، أو اكتفاءً بما لديهم، أو إيمانًا بأن حضور الأقارب والأصدقاء ومشاركتهم الفرحة هو الهدية الأجمل والأكثر قيمة.
رؤية نفسية واجتماعية
ومن الجانب النفسي، قال مختص في علم النفس إن العانية، رغم ما تحمله من قيم اجتماعية نبيلة، أصبحت في بعض الحالات تمثل عبئًا نفسيًا وماليًا على مقدمها ومتلقيها، مبينًا أن كثيرًا من الأشخاص يشعرون بأنهم ملزمون بتقديمها بحكم صلة القرابة أو الصداقة أو الزمالة، حتى وإن كانت ظروفهم المالية لا تسمح بذلك.
وأضاف أن هذا الشعور بالإلزام قد يدفع بعض الأشخاص إلى الاقتراض أو الاستدانة، بل إن هناك من يلجأ إلى طلب المال من أحد المقتدرين أو رجال الأعمال حتى يتمكن من تقديم العانية، وهو ما قد يترك آثارًا مالية ونفسية تستمر لفترات طويلة، مؤكدًا أن أي عادة اجتماعية ينبغي أن تبقى قائمة على الرغبة والقدرة، لا على الإلزام أو الإحراج.
ويؤكد مختصون في علم الاجتماع أن العانية من العادات التي أسهمت عبر سنوات طويلة في تعزيز التلاحم الاجتماعي، إلا أن استمرارها ينبغي أن يبقى قائمًا على الرغبة والقدرة، بعيدًا عن أي إلزام أو ارتباطات اجتماعية، حتى تظل محافظة على قيمتها الإنسانية، ولا تتحول إلى عبء على مقدمها أو متلقيها.
وفي ختام هذا التقرير، تبقى العانية واحدة من العادات الاجتماعية التي حملت عبر عقود طويلة معاني التكافل والتراحم ومساندة المقبلين على الزواج، إلا أن التحولات التي طرأت على نمط الحياة والظروف الاقتصادية والاجتماعية أعادت طرح تساؤلات عديدة حول دورها وشكلها في المرحلة المقبلة.
فبين من يرى فيها موروثًا اجتماعيًا يعكس قوة الروابط بين أفراد المجتمع، ومن يعتقد أنها أصبحت في بعض صورها مصدرًا للحرج والالتزام المالي، يظل القاسم المشترك هو الحفاظ على قيمة المشاركة في الأفراح بعيدًا عن أي ضغوط أو توقعات قد تفقد هذه العادة معناها الحقيقي.
ومع تغير المفاهيم الاجتماعية، يبدو أن مستقبل العانية قد يتجه نحو مزيد من الاختيارية، بحيث تبقى وسيلة للتعبير عن المحبة والدعم لمن يرغب ويستطيع، لا التزامًا مفروضًا أو عبئًا ينتقل من مناسبة إلى أخرى. فجوهر العادات الاجتماعية لا يكمن في صورتها أو قيمتها المادية، بل في ما تحمله من مشاعر التقدير والتكاتف والوقوف إلى جانب الآخرين في مناسباتهم السعيدة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store