Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

"العاصف" يعيد الحياة إلى القصار.. والرطب ينعش ذاكرة فرسان

A A
مع انطلاق موسم "العاصف" في جزر فرسان، تستعيد قرية القصار التراثية أجواء أحد أبرز مواسمها السنوية، حيث يتزامن هبوب الرياح الشمالية الغربية مع نضج الرطب، لتُحيي ملامح الحياة الزراعية والاجتماعية التي شكّلت جزءًا أصيلًا من تاريخ الجزيرة، في مشهد يجسد ارتباط الإنسان بالمكان، ويحفظ إرثًا تناقلته الأجيال، ويعكس ثراء الموروث الثقافي الذي تزخر به فرسان.


ويُطلق أهالي فرسان اسم "العاصف" على الرياح الشمالية الغربية الحارة التي تهب خلال فصل الصيف، وتستمر لنحو أربعة أشهر، وكانت قديمًا تؤدي إلى توقف رحلات الإبحار والغوص بسبب شدتها، لتبدأ معها فترة نضج الرطب التي ارتبطت بحياة الأهالي ومواسمهم الزراعية، وأصبحت موسمًا سنويًا تنتظره الأسر في مختلف جزر فرسان.


وكان سكان مدينة فرسان ينتقلون خلال هذه الفترة إلى قرى النخيل، وفي مقدمتها القصار والمحرق والسقيد وكتب وخولة، للإقامة طوال الموسم فيما يُعرف محليًا بـ"الشدة"، وهو انتقال موسمي يجمع بين العمل الزراعي والحياة الاجتماعية، حيث تنشغل الأسر بجني الرطب والعناية بالنخيل، وتُقام اللقاءات العائلية والمناسبات الاجتماعية وحفلات الزواج، في صورة تجسّد تماسك المجتمع الفرساني وارتباطه بأرضه ونخيله.
وأوضح الإعلامي والمرشد السياحي عثمان حمق لـ "المدينة" أن "العاصف" لم يكن مجرد موسم لجني الرطب، بل كان دورة حياة متكاملة، تتجدد خلالها صلات الرحم، وتُستقبل الوفود في المجالس العامرة بالضيافة، وتتردد الأهازيج الشعبية المصاحبة للحصاد، في مشهد يجسد روح التعاون والتكافل التي عُرفت بها جزر فرسان. وأضاف أن قرية القصار كانت تتحول خلال هذه الفترة إلى ملتقى نابض بالحياة، تُمارس فيه أعمال جني الرطب وتجفيفه وتخزينه، إلى جانب تبادل الخبرات الزراعية وتعزيز العلاقات الاجتماعية، فيما شكّلت النخلة على مر السنين مصدرًا للغذاء والرزق، وأسهمت في ازدهار العديد من الصناعات والحِرف التقليدية، لتغدو القصار مركزًا موسميًا يجمع بين النشاط الاقتصادي والحراك الاجتماعي.
وأشار إلى أن موسم العاصف ارتبط بأصناف عديدة من الرطب، من أبرزها "الدُّبِّيَّة" ذات اللون الأحمر، كما أسهم في الحفاظ على كثير من الممارسات التراثية، من بينها تسلق النخيل، وفرز الرطب وتجفيفه، واستخدام الأدوات الزراعية التقليدية، إلى جانب الأهازيج والأمثال الشعبية التي ما زالت تتناقلها الأجيال، بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية لأهالي فرسان.
وتواصل قرية القصار، بما تضمه من بساتين نخيل ومنازل تراثية وآبار عذبة، استقطاب الزوار والمهتمين بالتراث، فيما أصبح موسم "العاصف" أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية لجزر فرسان، من خلال الفعاليات الثقافية والسياحية التي تُعرّف الزوار بتاريخ جني الرطب، وتستعرض الأدوات الزراعية القديمة والحرف التقليدية، وتُبرز تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها أهالي الجزيرة خلال هذا الموسم، بما يعزز حضور فرسان على خارطة السياحة الثقافية والتراثية في المملكة.


ويؤكد موسم "العاصف" أن التراث في جزر فرسان ليس مجرد ذاكرة للماضي، بل إرثٌ حي يتجدد مع تعاقب المواسم، ويجسّد عمق العلاقة بين الإنسان والأرض والنخلة. وبين بساتين القصار وعبق الرطب، تواصل فرسان صون موروثها العريق، مقدمةً نموذجًا حيًا لتلاقي التاريخ والطبيعة والإنسان، ومعززةً مكانتها بوصفها إحدى أبرز وجهات السياحة الثقافية والتراثية في المملكة، وتجسيدًا لما تزخر به المملكة العربية السعودية من تنوّع ثقافي وموروث حضاري أصيل.


contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store