"القائد الحقيقي لا يُقاس بما يتخذه من قرارات، بل بالطريقة التي يُدير بها تلك القرارات، وبالأثر الذي يتركه في نفوس الناس".
يأتي هذا الطرح في وقت يعيش فيه الوطن الغالي مرحلةً استثنائية من التطوير المؤسسي في ظل رؤية المملكة 2030، التي جعلت الاستثمار في الإنسان أساسًا للتنمية المستدامة. وقد انعكس هذا التوجه بوضوح على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاع التعليم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن جودة القيادة تمثل أحد أهم عوامل نجاحها واستدامتها.
وفي هذا السياق، تبنت وزارة التعليم، بالشراكة مع المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، منهجية متدرجة في تمكين القيادات المدرسية، تبدأ بتحديد الاحتياجات المهنية من خلال أدوات تشخيصية دقيقة، ثم تصميم برامج تطويرية تستجيب لهذه الاحتياجات، بما يسهم في بناء الكفايات القيادية وتعزيز جاهزية القادة قبل ممارسة أدوارهم. ويعكس هذا النهج قناعةً بأن القيادة لا تُبنى بمجرد التكليف، وإنما تبدأ بفهم الاحتياج ثم تقديم التأهيل المناسب، وهو ما يجعل التأهيل سابقًا للتمكين لا لاحقًا له.
وتنسجم هذه الفلسفة مع ما تشير إليه الأدبيات القيادية الحديثة؛ فالمؤسسات التي تستثمر في إعداد قادتها قبل تمكينهم تكون أكثر قدرة على بناء الثقة، وتحسين جودة التواصل، وتعزيز كفاءة اتخاذ القرار. فالقيادة ليست صلاحيات تُمنح، بل مسؤولية تُبنى على المعرفة والمهارة والخبرة. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يكفي قرار التكليف لصناعة قائدٍ مؤثر؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي النظر إلى النصوص التنظيمية أو الأطر النظرية فحسب، بل يستلزم الأمر تأملًا في الممارسة الواقعية التي تكشف كيف يمكن لأسلوب إدارة القرار أن يصنع أثرًا يفوق أثر القرار ذاته. وفي هذا السياق، أستعرض تجربة شخصية تُبرز بوضوح الفارق بين امتلاك الصلاحية وممارسة القيادة.
قبل فترة، راجعت إحدى الجامعات لمتابعة معاملة إدارية. لم يكن هدفي الاعتراض على القرار، فلكل جهة الحق في قبول الطلب أو رفضه وفق أنظمتها ولوائحها، وإنما رغبت في معرفة أسبابه. إلا أن ما استوقفني لم يكن قرار الرفض ذاته، بل أسلوب التعامل. فعندما قابلت المسؤول، لم أجد الحوار المهني الذي كنت أتوقعه، بل طُلب مني مراجعة المعاملة رغم علمه بأن القرار قد حُسم مسبقًا. خرجت من ذلك اللقاء وأنا أتأمل كيف يمكن للطريقة التي يُدار بها القرار أن تترك أثرًا قد يفوق أثر القرار نفسه؟
وتنسجم هذه التجربة مع ما تشير إليه الأدبيات القيادية حول الفرق بين السلطة الرسمية والقيادة المؤثرة؛ فقد أدركت أن بعض القادة يكسبون احترام الناس حتى عندما يرفضون طلباتهم، بينما يفقد آخرون ثقة من حولهم رغم امتلاكهم الصلاحيات نفسها. وهذا ما يجعل التمييز بين السلطة الرسمية والقيادة المؤثرة أمرًا بالغ الأهمية؛ فالسلطة تُكتسب بقرار إداري يمنح صاحبه صلاحيات محددة، أما القيادة الحقيقية فتُكتسب بالثقة والكفاءة وحسن التواصل والقدرة على التأثير في الآخرين. وقد يمتلك شخصٌ السلطة دون أن يمتلك القيادة، بينما يستطيع آخر أن يقود الناس ويكسب احترامهم حتى دون أن يشغل منصبًا رسميًا.
وتدعم الأدبيات هذا الفهم؛ فجون كوتر يرى أن الإدارة تهدف إلى تنظيم العمل والمحافظة على استقراره، بينما تهدف القيادة إلى بناء الرؤية وإلهام العاملين وقيادة التغيير. كما يؤكد مايكل فولان أن القيادة عملية تعلم مستمرة، وأن بناء العلاقات والثقة لا يقل أهمية عن إدارة الإجراءات. ويشير كينيث ليثوود إلى أن القيادة الفاعلة تُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في نجاح المؤسسات؛ لأنها تبني ثقافة العمل وتعزز الثقة وترفع مستوى الأداء. كما تشير الأدبيات الإدارية إلى أن تقبل الأفراد للقرارات لا يعتمد على نتائجها فقط، بل يتأثر بوضوح الإجراءات وشفافية المبررات وجودة التواصل والاحترام الذي يشعر به الأفراد أثناء التعامل.
وانطلاقًا من هذا الفهم النظري، يصبح من المهم دراسة كيفية تطبيق هذه المبادئ في السياق الجامعي، حيث لم تعد الجامعات العالمية تنظر إلى رئاسة القسم الأكاديمي أو عمادة الكلية بوصفها ترقيةً علميةً فحسب، بل مسؤوليةً قياديةً تتطلب إعدادًا متخصصًا. ولهذا طورت جامعات مرموقة، مثل جامعة ستانفورد وجامعة ولاية فلوريدا، برامج مخصصة لتأهيل رؤساء الأقسام والعمداء، تتناول القيادة الاستراتيجية، وإدارة الفرق، والتواصل، والحوكمة، وإدارة التغيير، واتخاذ القرار، بما يعكس قناعةً بأن التميز الأكاديمي لا يكفي وحده لقيادة الأفراد والمؤسسات.
وإذا كانت وزارة التعليم قد تبنت منهجية تبدأ بتحديد الاحتياجات المهنية ثم إعداد القيادات المدرسية قبل تمكينها، فإن الاستفادة من الفلسفة نفسها في إعداد القيادات التنفيذية في الجامعات -مثل رؤساء الأقسام الأكاديمية، وعمداء الكليات، ووكلائها، ومديري البرامج الأكاديمية، ومديري الوحدات الإدارية داخل الكليات- تمثل فرصةً لتعزيز جودة القيادة الجامعية، نظرًا لطبيعة الأدوار التنفيذية التي يمارسونها يوميًا في إدارة العمليات الأكاديمية والإدارية، والتعامل المباشر مع أعضاء هيئة التدريس والطلاب والموظفين، وترجمة السياسات العليا للجامعة إلى ممارسة فعلية داخل الكليات والأقسام.
ولا يُقصد بذلك التقليل من الكفاءات العلمية لمن يشغلون هذه المناصب؛ فالتفوق الأكاديمي يمثل أساسًا مهمًا، لكنه لا يكفي وحده لقيادة الأفراد والمؤسسات. فإدارة المعرفة تختلف عن إدارة البشر، والنجاح في البحث العلمي لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات القيادة والتواصل وإدارة الفرق وحل النزاعات.
ومن هذا المنطلق، فإن دراسة بناء برامج تطوير قيادي متخصصة لرؤساء الأقسام الأكاديمية وعمداء الكليات تمثل فرصةً لتعزيز جودة القيادة الجامعية، وذلك من خلال منهجية تبدأ بتحديد الاحتياجات القيادية، ثم تصميم برامج تطوير مهني تتناسب مع طبيعة هذه المسؤوليات، بما يسهم في تعزيز جودة الممارسات القيادية، والارتقاء ببيئة العمل الجامعية، ودعم مستهدفات الجامعات في التميز المؤسسي.
إن الاستثمار في إعداد القادة قبل تكليفهم ليس ترفًا إداريًا، بل استثمارٌ في جودة المؤسسة واستدامة أثرها. وإذا كانت التجربة الوطنية قد أثبتت أهمية بناء القيادات المدرسية على أساس تحديد الاحتياج ثم التأهيل، فإن الاستفادة من هذه الفلسفة في إعداد القيادات التنفيذية في الجامعات تمثل خطوةً جديرةً بالدراسة، بما يعزز جودة الممارسات القيادية ويرتقي بالأداء المؤسسي.
فالمؤسسات العظيمة لا تبنيها الأنظمة وحدها، بل يبنيها قادةٌ يحسنون تطبيقها، ويجعلون من كل قرار فرصةً لتعزيز الثقة لا سببًا لفقدانها. فالمنصب يُمنح بقرار، أما القيادة فتُبنى بالتأهيل، وتُثبتها الممارسة، ويشهد لها الناس بحسن الأثر.
القائد هو من يمنح القرار قيمته.. لا القرار هو من يصنع القائد
تاريخ النشر: 11 يوليو 2026 11:39 KSA
A A


