Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

المكتبات.. ذاكرة الأمم وروح الحضارة

A A
هكذا صدح المتنبي قبل أكثر من ألف عام بقوله: «وَخَيرُ جَليسٍ فِي الزَّمانِ كِتَابٌ»، وهِي حكمةٌ ما تزال تحتفظ ببريقها رغم التحوُّلات التقنية المتسارعة. فالكتابُ ليس مجرَّد أوراقٍ تُقرَأ، بل رفيقٌ للعقل، ونافذةٌ على التجارب الإنسانيَّة، وجسرٌ يربط الماضي بالحاضر، ويصنع المستقبل.
وعلى امتداد التاريخ كانت المكتبات الحاضنة الكُبرى للمعرفة الإنسانيَّة، تحفظ العلوم والآداب والتجارب، وتنقلها من جيل إلى جيل. وقد أدركت الحضارات المتعاقبة هذه الحقيقة، فأنشأت المكتبات الكُبرى التي أصبحت منارات للعلم، مثل بيت الحكمة في بغداد، ودار الحكمة في القاهرة، ومكتبات الأندلس التي ضمَّت مئات الآلاف من المجلَّدات.
وتُعدُّ المكتبات العامَّة والخاصَّة رافدًا أساسًا للثقافة وبناء الإنسان، فهي توفِّر مصادر المعرفة للباحثين والطلاب والمهتمِّين، وتُسهم في تنمية مهارات القراءة والتفكير والنَّقد. كما أنَّ المكتبات الخاصَّة تحتفظ في كثير من الأحيان بنوادر الكتب والمخطوطات والوثائق والتعليقات الشخصيَّة التي تمنح الباحثِينَ مادةً علميَّةً وتاريخيَّةً لا تُقدَّر بثمن.
وتبرز أهميَّة المكتبات في نهضة الأمم المعاصرة. فمكتبة الكونغرس الأمريكيَّة تُعدُّ من أكبر مستودعات المعرفة في العالم، بينما أسهمت المكتبة البريطانيَّة في حفظ جانب كبير من التراث الإنسانيِّ، كما أصبحت المكتبات الوطنيَّة والجامعيَّة في الدول المتقدِّمة مراكز للبحث والابتكار وصناعة المعرفة، وليست مجرَّد أماكن لحفظ الكتب.
وفي المملكة العربيَّة السعوديَّة عرفت مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، والطَّائف، وغيرها من المدن عناية كبيرة بالمكتبات العامَّة والخاصَّة، وأسهم العلماءُ والأدباءُ في إنشاء مكتبات زاخرةٍ بالمراجع والنوادر، فكانت منارات للعلم، ومصادر لإثراء الحركة الثقافيَّة.
ومن أروع الصُّور المشرقة في تاريخنا الإسلاميِّ ما يُروى عن مكتبة محمد بن جبير بن مطعم، التي فُتحت أبوابها لطالبِي العلم، في صورةٍ مبكِّرة تؤكِّد أنَّ المعرفة رسالة إنسانيَّة ينبغي أنْ تكون متاحةً للجميع.
إنَّ المحافظة على المكتبات، ورعاية مقتنياتها، وفهرسة كنوزها، وتحويل محتوياتها إلى صيغٍ رقميَّةِ حديثة، تمثِّل مسؤوليَّة ثقافيَّة وحضاريَّة كُبرى. فالمكتبات ليست مخازن للكتب فحسب، بل ذاكرة للأمم، ومستودع لخبراتها وتجاربها.
وقد صدقَ الشَّاعرُ حينَ قالَ: «إِنَّ بيتًا دُونَ كُتبٍ ... جَسَدٌ مِن غَيرِ رُوحٍ».
فحيثما وُجدت المكتبات، ازدهرت المعرفة، ونمت العقول، وتقدَّمت الأُمم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store