في زمنٍ يُدفع فيه المؤمن إلى الاختيار المُربك بين «التديُّن» و»التَّفكير»، رأى (ابنُ رشد) بوضوحٍ أنَّ العقل الصَّريح، والنقل الصَّحيح طريقان يؤدِّيان إلى حقيقةٍ واحدةٍ، وأنَّهما لا يتواجهَان في ساحةٍ تُشجِّع الصِّراع بين الشكِّ والإيمانِ.
فالعلاقةُ بين العقل والنقل في رُؤيته، علاقةُ تكاملٍ بين مصدرَين للمعرفة: الوحي من جهةٍ، والعقل من جهةٍ أُخْرى؛ فاللهُ -سبحانَهُ وتعَالَى- في نظرهِ، هو مصدرُ الحقيقة كلها، ولذلك لا يمكنُ أنْ يتناقضَ ما يَثبُت بالعقل «الصَّحيح»، مع ما يرد في النصِّ الدينيِّ «الصَّحيح»، وإذا بدا تعارضٌ بينهما، فالمشكلةُ ليست في الدِّين، ولا في العقل، بل في طريقةِ فَهم أحدهمَا، وهو فهمٌ بشريٌّ يجوزُ عليه الخطأ والصَّواب.
يرى (ابنُ رشد) أنَّ استعمالَ العقل واجبٌ على مَن يملكُون القدرة على النَّظر والتأمُّل، فالنصوصُ الدينيَّةُ نفسها تدعُو إلى التفكُّر والتدبُّر في الكون والإنسان والحياة، وفي القرآنِ الكريمِ ذاتِهِ؛ وفي المقابلِ يبقَى النقلُ الصَّحيحُ والثَّابتُ ضروريًّا؛ لأنَّه يُعرِّف الإنسان بما لا يستطيعُ العقل الوصول إليه بنفسه، مثل أمور الغيب، والآخرة، والمعنى النهائيِّ للوجود.
فإذا بدا أنَّ هناك تعارضًا شكليًّا بين نصٍّ دينيٍّ ونتيجة عقليَّة أو علميَّة يقينيَّة، فإنَّه يلجأ إلى التَّأويل، أي فهم النصِّ على معنى أعمق، أو أوسع من ظاهره الحرفيِّ، من غير إنكارٍ له، وبهذا المعنى لا يكونُ التأويلُ هروبًا من النصِّ، بل محاولة لحماية معناه الحقيقيِّ من الفهم الضَّيق واللاهوتيِّ المتعصِّب.
في الخلاصة، يُطمئِنُ (ابنُ رشد) المؤمنَ المفكِّرَ: لا تضطر للاختيارِ بين التديُّن والعقلانيَّة، إذ يمكنك أنْ تجمع بينهما، تؤمنُ بالنصِّ، وتستعملُ عقلكَ لفهمهِ فهمًا صحيحًا. فالإيمانُ الذي يخافُ من التساؤل، إيمانٌ ضعيفٌ، والعقلُ الذي يتجاهلُ الوحيَ عقلٌ فَقَدَ بوصلةَ الهدايةِ الربانيَّة.
ومن اللَّافت أنَّ مشروع (ابن رشد) في التَّوفيق بين العقلِ والنقلِ تجاوز سياقه الإسلامي، إلى الفكر الأوروبيِّ، حيث أسهمت كتبُه وشروحُه لأرسطو في نشأة تيارٍ فلسفيٍّ منح العقلَ سلطةً موازيةً للاهوتِ، وجعل للفلسفةِ مجالًا خاصًّا غير خاضعٍ لرقابة الكنيسة، وهو ما تبلور في مسار العلمنةِ الأوروبيَّة بوصفها تنظيمًا للحياة العامَّة على أساس العقل والعلم والتجربة والعقود الاجتماعيَّة، مع احتفاظ الدِّين بمكانته في الضَّمير الفرديِّ، وفي الوجدان الجمعيِّ، والمجال الثقافيِّ.


