Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عبدالله صادق دحلان

من جمع المال عاش به.. ومن صنع الأثر عاش بعده

A A
لقد أمضى كثير من رجال الأعمال والتجار أعمارهم في الكفاح والعمل، وسهروا الليالي، وتحمّلوا المخاطر، حتى صنعوا ثروات كبيرة كانت ثمرة جهدهم وذكائهم وإصرارهم، وهذه الثروات حق لهم، وهم أولى الناس بالانتفاع بها في حياتهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا سيبقى بعد الرحيل؟.
لقد أثبتت التجارب أن كثيراً من الثروات الضخمة لا تعيش أكثر من جيل أو جيلين، فتتفرق بين الورثة، وتبدأ الخلافات، وتباع الشركات، وتتفتت الاستثمارات، ويضيع جهد عمر كامل في سنوات قليلة، وليس السبب نقص المال، وإنما غياب الرؤية التي تحول الثروة إلى رسالة خالدة.
إن أعظم استثمار ليس في الأسهم ولا في العقارات، بل في العمل الذي يستمر عطاؤه بعد وفاة صاحبه، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى العظيم بقوله: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
ولذلك، فإن ثقافة الوقف تعد من أعظم ما قدمته الحضارة الإسلامية للبشرية، فالوقف ليس مجرد بناء مسجد، مع عظم أجر المساجد، وإنما هو منظومة تنموية متكاملة تشمل الجامعات، والمدارس، والمستشفيات، ومراكز الأبحاث، والمنح الدراسية، ورعاية الأيتام، والإسكان الخيري، ودعم الابتكار، والمحافظة على البيئة، وتمويل المشروعات الاجتماعية التي تخدم الإنسان لعشرات، بل لمئات السنين.
لقد قامت جامعات عالمية عريقة مثل جامعة هارفارد وجامعة أكسفورد على أوقاف ضخمة؛ أسهمت في استمرار تفوقها العلمي واستقلالها المالي، وفي العالم الإسلامي كانت الأوقاف عبر قرون طويلة تُموِّل المدارس والمكتبات والمستشفيات ورعاية الفقراء والمسافرين، حتى أصبحت ركيزة من ركائز الحضارة الإسلامية.
وفي المملكة ومع ما نشهده من تطور كبير في تنظيم القطاع غير الربحي وتشجيع الأوقاف، أصبحت الفرصة مهيأة أكثر من أي وقت مضى ليترك رجال الأعمال بصمة لا تنتهي بوفاتهم، إن الوطن اليوم لا يحتاج فقط إلى متبرعين، بل يحتاج إلى مؤسسين لأوقاف مستدامة، تبني الإنسان، وتدعم التعليم، وتُموِّل البحث العلمي، وترعى الموهوبين، وتُوفِّر العلاج، وتخلق فرص العمل.
إنني أدعو كل رجل أعمال حقق نجاحاً كبيراً أن يسأل نفسه: ماذا سيقول الناس عني بعد خمسين عاماً؟ هل سيذكرون حجم ثروتي التي تقاسمتها الأجيال؟ أم سيذكرون جامعة أنشأتها، أو مستشفى وقفياً عالج آلاف المرضى، أو صندوقاً للمنح الدراسية خرّج آلاف الأطباء والمهندسين والعلماء؟.
إن المال الحقيقي هو المال الذي يبقى أثره بعد رحيل صاحبه، والثروة العظيمة ليست ما نملكه اليوم، وإنما ما يبقى شاهداً لنا عند الله، وذكرى طيبة في حياة الناس. فالوقف ليس إنفاقاً ينقص المال، بل استثمار خالد لا يتوقف عطاؤه،
أيها الأثرياء: إن الله لم يستخلفكم في المال لتعدوا أرقامه، وإنما لتصنعوا به حياةً للناس.
سيأتي يوم يخرج فيه كل واحد منا من الدنيا، فلا يحمل معه قصوره، ولا شركاته، ولا أرصدته، وإنما يحمل عمله، وسيبقى السؤال الذي يواجه كل صاحب مال: ماذا تركت بعدك؟.
هل تركت مالاً اقتسمه الورثة، ثم تفرق مع الأيام؟ أم تركت وقفاً يعلّم طالباً، ويعالج مريضاً، ويؤوي يتيماً، ويعين محتاجاً، ويزرع أملاً، فيبقى أجرك جارياً ما دام عطاؤه مستمراً؟.
إن الثروة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما يبقى أثره بعد رحيلنا، والسعيد من جعل جزءاً من نعم الله عليه طريقاً إلى رضوانه، وترك للأجيال إرثاً من الخير قبل أن يترك لهم إرثاً من المال.
فليكن لكل قادرٍ وقفٌ يعلمه الله، وإن لم يعلمه الناس، وليكن بين العبد وربه عملٌ خالصٌ لا يبتغي به إلا وجهه الكريم، فذلك هو الاستثمار الذي لا يخسر، والتجارة التي لا تبور.
إن ما يدفعني لتكرار هذه الرسالة هو ما أراه في المجتمع من أموال بعض الأثرياء؛ الذين لم يسعفهم الوقت لأن يتركوا لأموالهم أثراً في المجتمع، بل تركوا ثروة كبيرة يتنازع عليها الورثة بمختلف أجيالهم، وكم من وصايا تركت كان مصيرها عدم الاعتراف بها والطعن بها، وينسى الورثة الدعاء لمورّثهم، وينشغلون بما ورّثهم ، والحقيقة أنه قد أضاع الفرصة في حياته وتركها للورثة بعد مماته.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store