Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

زفاف إلى الجنان.. بإذن الرحمن

A A
ورحلتْ عنا (هيا كاتب) أميرة جمال الروح وهبة السماء.. رحلت ابنة الواحد والعشرين ربيعاً، عاشتها في حديقة غنَّاء مفعمة بالحب كأجمل ابتسامة أشرقت بها الحياة، رحلت بعد أن ودعت الأهل والأحباب والصديقات، بجميل أفعال وأعذب كلمات.
‏لم يكن يوم ولادتك يا (هيا) سوى فجر جميل لوالديك.. كبرت.. ترعرعت وأصبحت نجمه في الآفاق.. وجوهرة حياتهم، كأغلى مقتنيات الحياة.. رحلتِ يا هيا بعد أن وضعتِ بصماتك في كل مكان وطأته قدماكِ؛ وبصمات الحب التي حفرتها في قلوب كل من عرفكِ.. وغرستِ في الوجدان صورتك التي لا تنسى، وابتسامتك التي لم تفارق محياكِ حتى الممات.
شهيدة أنت (يا هيا)، أتاك الموت مهرول دون نفسك في يوم جمعة وغربة، فهذا حكم الإله.. فرفعنا كف الضراعة له تبارك وتعالى؛ بأن تكوني عروساً في الجنان.. بالسندس والاستبرق، نزفكِ كأجمل الحور من النساء.. حشركِ الله في زمرة الشهداء.. وجزاك بما تجرعتِ من ألم، شربة من يد المصطفى المختار.
‏جاء رحيلك ابتلاء من الله لوالديك (أمين وهديل)، كنتِ عصفورة زمانهم، بنوا لكِ عشاً في أرواحهم.. وضموك تحت جناحهم.. وشيدوا لك قصراً من حنانهم.. ولكن جاء قدرك الحتمي في زحمة ذهول وصدمة، فلاذوا (بالحمد لله)، ليبني لهم قصر الحمد في الجنان بإذن الرحمن.
‏كم يعز على كل من عرفك أن ينساكِ.. وألا يطرق أنغام صوتك العزب مسامعه، أو أن تغيب جميل أفعالك وصدق أقوالك.. نسمة أنت غادرتِ الحياة.. نثرتِ قطرات الحب في كل مكان.. حتى ضيوف الرحمن كان لهم نصيب من الكرم والوفاء.. قدمتِ لهم تطوعاً استقبالاً وفرحة لقاء.. مشيتِ في مشوار الحياة بعزيمة العظماء.. نجحتِ تفوّقتِ، لم يكن ذلك صدفة، بل بإرادة الله الذي سخّركِ لتكوني في شموخ الأبطال، وممن تخطوا الصعاب.. ونالوا فرح الانتصار.
‏لم يمهلكِ القدر طويلا.. حتى في رحلة توسمت فيها ركوب البحر والاستمتاع بالأجواء مع رفقة الأهل والأحباب.. لتنال منك يد التهور والجهلاء، وتنغرس أضلاعك طعنات في القلب وتمس الشغاف... فيتوقف مجرى الهواء، ويتضاءل النبض عن السريان.. لتتوقف الأنفاس.. هكذا كانت نهايتك، مأساة من أقسى مآسي الحياة.. كيف ننساك؟.. لولا الإيمان بالله لنصبنا لك تذكاراً ليبقى مدى الحياة عنواناً لجمال الروح.. فيتعلم منكِ الناس.. ولكن نصبنا سرادق العزاء، وأنتِ عروس فوق الغمام، نبكيكِ ويكفكف دمعنا المئات.
‏وضعوك في التراب «سنة وحياة»، ولكنه زفاف إلى البرزخ والسماء.. نزفكِ اليوم إلى قبر.. هو روضة من رياض الجنان.. نزفكِ لقبر حديقة غنَّاء مد البصر نرجوها من الإله... فسيري مطمئنة إلى الله الواحد القهار.
‏أيا طفلة غادرتِ دار الفناء.. إلى جنة الخلد فملتقانا هناك.. نبكيكِ نرثيكِ.. وكل دموع الكون لا تكفي لغسل الأحزان.
‏لقد تبعثرت الحروف وتاهت الكلمات في زحمة البكاء.. ولم أجد بداً من استعارة بعض أبيات المتنبي في الرثاء.. علّها تُعبِّر قليلاً عما في القلوب من آهات:
‏الحُزنُ يُقلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَردَعُ
وَالدَمعُ بَينَهُما عَصِيٌّ طَيِّعُ
يَتَنازَعانِ دُموعَ عَينِ مُسَهَّدٍ
هَذا يَجيءُ بِها وَهَذا يَرجِعُ
النَومُ بَعدَ (هيا) شُجاعٍ نافِرٌ
وَاللَيلُ مُعْيٍ وَالكَواكِبُ ظُلَّعُ
إِنّي لَأَجبُنُ مِن فِراقِ أَحِبَّتي
وَتُحِسُّ نَفسي بِالحِمامِ فَأَشجُعُ
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store