في عالم كرة القدم، حيث تُقاس النجومية بعدد الأهداف، وتُختزل قيمة اللاعب في الإحصاءات والعقود والكؤوس، يبرز بين الحين والآخر شخص يصعب وضعه داخل هذه المعادلة. ليس لأنه يسجل أكثر من غيره فحسب، بل لأنه يترك أثرًا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. إيرلينغ هالاند واحد من هؤلاء القلائل؛ لاعبٌ تحوّل إلى ظاهرة إنسانية وإعلامية قبل أن يكون ظاهرة رياضية، حتى بدا وكأن الكاميرا أحبته قبل أن تمنحه الجماهير هذا القدر من المحبة.
ليس من السهل أن يلفت انتباهي لاعب كرة قدم. فأنا أتابع المباريات الكبرى وأستمتع بما تحمله من حماس، لكنني لا أنتمي إلى أولئك الذين يحفظون أسماء جميع اللاعبين أو يتابعون تفاصيل الانتقالات والإحصاءات اليومية. ومن يعرفني يعلم أن ما يشدني دائمًا هو الإنسان الذي يقف خلف الشهرة، والشخصية التي لا تكشفها لغة الأرقام. ولهذا السبب توقفت طويلًا أمام هالاند، لا بصفته هدافًا استثنائيًا، بل بصفته شخصية تحمل شيئًا مختلفًا يصعب تفسيره بالكلمات.
ربما يعود ذلك إلى اهتمامي القديم بثقافة الشمال الأوروبي. فمنذ طفولتي، كنت مفتونة بحكايات الفايكنغ والأساطير الإسكندنافية، وبالأبطال الذين كانوا يجمعون بين القوة والهدوء، وبين الشجاعة والتواضع. لم يكونوا بحاجة إلى الضجيج لإثبات حضورهم، بل كانت أفعالهم تتحدث عنهم. وعندما يظهر هالاند أمام الكاميرا، ينتابني الإحساس ذاته. ليس لأنه يشبه صورة المحارب كما رسمتها السينما، بل لأنه يحمل تلك الطمأنينة الواثقة التي تجعل القوة تبدو طبيعية، لا استعراضًا.
هناك لاعبون يفرضون أنفسهم على الجمهور، وهناك لاعبون تفرضهم الكاميرا. والكاميرا يصعب ارضاؤها؛ فهي تلتقط التوتر كما تلتقط الثقة، وتكشف التصنع كما تكشف الصدق. لذلك ليس غريبًا أن يقع الناس في حب بعض الشخصيات منذ اللحظة الأولى التي يشاهدونها فيها، حتى قبل أن يعرفوا شيئًا عن إنجازاتها. وهالاند من هؤلاء. فحضوره أمام العدسات لا يبدو متصنعًا، وابتسامته لا تبدو مدروسة، فهو لا يسعى إلى إرضاء المصورين. تشاهده، فتشعر أنه لا يؤدي دور النجم، بل يعيش حياته كما هي، بعفويتها، وهدوئها، وخفة ظلها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه فيه أنه لا يبدو أسيرًا لفكرة الشهرة. يظهر هالاند مرتاحًا مع نفسه بصورة لافتة. لا يحاول أن يبدو مثاليًا، ولا يسعى إلى صناعة شخصية مختلفة عن حقيقته. يتحدث ويضحك ويتعامل مع الناس بالطريقة نفسها، سواء كانت الكاميرات حاضرة أم غائبة. وهذه الراحة الداخلية هي، في رأيي، أحد أسرار جاذبيته.
لهذا السبب تحديدًا، لا يمكن تفسير شعبيته بالأهداف وحدها. فالتاريخ الرياضي مليء بالهدافين العظماء، لكن قليلين منهم استطاعوا أن يتحولوا إلى ظاهرة جماهيرية يتابعها حتى من لا يهتم بكرة القدم. هناك قبول يصعب تفسيره بالإحصاءات، لأن الأرقام لا تصنع المحبة، بل تصنعها الشخصية.
ومن اللافت أن جمهور هالاند لا يقتصر على فئة عمرية واحدة. الأطفال يعشقونه، يقلدون احتفالته الشهيرة، ويرتدون قميصه، ويحلمون بتسجيل الأهداف مثله. لكن الأمر لا يتوقف عندهم. فكثير من كبار السن، ممن لا يتابعون كرة القدم بشغف، يجدون أنفسهم ينتظرون مبارياته، ويستمتعون بمشاهدته، لا لأنه يمثل فريقهم المفضل، بل لأن حضوره يمنح المباراة متعة خاصة. وحتى أولئك الذين لا يعرفون الكثير عن قوانين اللعبة، أو لا يتابعونها إلا نادرًا، ينجذبون إليه بطريقة يصعب تفسيرها، وكأنهم لا يشاهدون مباراة كرة قدم بقدر ما يشاهدون فيلمًا سينمائيًا يعرفون أن بطله سيقدم لهم مشهدًا لا يُنسى.
هذه القدرة على جذب انتباه الجميع ليست موهبة رياضية، بل موهبة إنسانية. فهناك أشخاص يمتلكون كاريزما لا تحتاج إلى كلمات كثيرة. يكفي أن يكونوا حاضرين حتى يشعر من حولهم بالارتياح. وهالاند يبدو واحدًا منهم. إنه لا يملأ المكان بالضجيج، لكنه يملؤه بالحضور.
ولأنني أؤمن بأن الشخصية أهم من الشهرة، فقد لفت انتباهي أيضًا أسلوبه في التعامل مع الجمهور والغير مهتم بالكرة. لا يبدو أنه يضع بينه وبين جمهوره حواجز من الأضواء أو النجومية. يتوقف لالتقاط الصور، يبتسم للأطفال، ويتعامل مع المشجعين بعفوية لا توحي بأنه يؤدي واجبًا إعلاميًا، بل يتصرف كما لو كان يدرك أن تلك اللحظات الصغيرة قد تبقى في ذاكرة طفل أكثر من أي هدف يسجله في مباراة.
كما يعجبني احترامه الواضح لمنافسيه وزملائه، يختار هالاند أن يترك قدميه تتحدثان بدلًا من تصريحاته. وهذه سمة نادرة في زمن أصبحت فيه الكلمات تسبق الأفعال.
ولعل هذا ما يجعلني أراه قدوة حقيقية للأطفال. فالطفل لا يحتاج فقط إلى لاعب يسجل الأهداف، بل يحتاج إلى إنسان يتعلم منه معنى الاجتهاد، والانضباط، واحترام الآخرين، والقدرة على النجاح دون أن يفقد تواضعه. قد تتغير الأرقام مع مرور السنوات، وقد يحطم لاعب آخر ما حققه هالاند، لكن الأخلاق والانطباع الإنساني هما ما يبقيان في الذاكرة.
أنا مؤمنة بأن الأدب، كما الرياضة، يستطيع أن يُلهم أجيال. وربما لهذا السبب اعتدت، بوصفي روائية، أن أستلهم بعض شخصياتي من وجوه حقيقية تركت أثرًا في نفسي. لا أنقل حياتهم كما هي، ولا أكتب سيرهم الذاتية، بل أبحث عن الإنسانية الحقيقية التي تجعل القارئ يؤمن بالشخصية. وقد فعلت ذلك من قبل مع شخصيات استلهمتها من جوني ديب وأندرو غارفيلد، لأن كليهما يمتلك حضورًا يتجاوز المهنة التي يعمل بها. واليوم، أجد أن هالاند يملك المقومات نفسها؛ شخصية يمكن أن تتحول إلى بطل روائي، لا لأنه لاعب كرة قدم، بل لأنه يحمل مزيجًا نادرًا من القوة والعفوية والهدوء.
وكما اعتدت في بعض أعمالي الأدبية، أتمنى أن تُخصص عائدات هذا العمل لدعم الأطفال المحتاجين، ولا سيما أولئك الذين يحلمون بممارسة كرة القدم لكن الظروف تقف بينهم وبين أحلامهم. لأن أجمل ما يمكن أن يقدمه الأدب ليس قصة جميلة فحسب، بل فرصة حقيقية لتغيير حياة طفل، أو للمساهمة في علاج إنسان يحتاج إلى المساندة.أؤمن بأن الإلهام لا يقاس بعدد الأهداف التي يسجلها اللاعب، بل بعدد الأحلام التي يوقظها في قلوب الصغار. وحين يستطيع رياضي أن يجعل طفلًا يؤمن بنفسه، أو أن يدفعه إلى احترام الآخرين، أو أن يمنحه الشجاعة ليواصل حلمه، فإنه يكون قد حقق إنجازًا يفوق أي لقب.
قد يأتي يوم يتراجع فيه هالاند عن صدارة الهدافين، وقد تكسر أرقامه أسماء جديدة، فهذه هي طبيعة الرياضة. لكن ما أظنه سيبقى هو ذلك الأثر الإنساني الذي صنعه دون أن يتعمد صناعته. سيبقى في ذاكرة الأطفال الذين رأوا فيه بطلًا، وفي ذاكرة الكبار الذين وجدوا فيه بساطة افتقدوها في كثير من المشاهير، وفي ذاكرة أولئك الذين لم يكونوا يعشقون كرة القدم أصلًا، ثم جلسوا يشاهدون مبارياته وكأنهم يتابعون فيلمًا سينمائيًا يعرفون أن بطله سيمنحهم في كل مرة لحظة تستحق الانتظار.
وربما لهذا السبب، عندما أفكر في إيرلينغ هالاند، لا أراه مجرد مهاجم استثنائي، ولا مجرد اسم يتصدر العناوين الرياضية، بل شخصية إنسانية وبطل حقيقي تصلح لأن تُكتب عنها الحكايات، وأن يستلهم منها الأدب، وأن يتعلم منها الأطفال. وهذا، في نظري، هو النجاح الحقيقي؛ أن تصبح مصدر إلهام خارج حدود مهنتك، وأن تكسب محبة الناس قبل إعجابهم.
لهذا كله، أعتقد أن هالاند لم يصبح نجمًا لأن الجماهير أحبته، بل لأن الكاميرا اكتشفت فيه إنسانًا صادقًا، فنقلت صدقه إلى العالم، ثم جاءت الجماهير لتكمل الحكاية. ومن هنا، أرى أن عنوان هذا البروفايل ليس مبالغة، بل وصفًا دقيقًا لشخصية استثنائية: هالاند... اللاعب الذي أحبته الكاميرا قبل الجماهير.


