تمرُّ بنا الحياةُ المهنيَّة كما تمرُّ القوافلُ في الصحراء، لكلِّ محطَّة أثرها، ولكلِّ رفقة بَصْمتها، ولكلِّ تجربة شيء تضيفه إلى الذاكرة، قبل أنْ تضيفه إلى السِّيرة الذاتيَّة. وبعض المحطَّات تبقى حاضرةً في الوجدان؛ لأنَّ ما حملته من معانٍ أكبر من تفاصيل الوظيفة، وأعمق من وصفها الإداريِّ.
ومن المحطَّات التي أعتزُّ بها، عملي في وزارة الشؤون الإسلاميَّة والدعوة والإرشاد. فلم تكن تلك المرحلة مساحةً لإنجازات مهنيَّة فحسب، وإنَّما نافذة أطللتُ منها على تجارب إنسانيَّة وقياديَّة تستحقُّ التأمُّل.
العملُ بالقرب من المسؤول يمنحك فرصةً نادرةً لقراءة ما وراء المشهد. ترى كيف تُدار اللَّحظات الصَّعبة، وكيف تُرتَّب الأولويَّات، وكيف تتحوَّل المبادئ إلى قراراتٍ. فالكثير ممَّا يصنع القائد لا يظهر في المؤتمرات الصحفيَّة، وإنَّما في التفاصيل اليوميَّة التي لا تلتقطها العدساتُ.
وخلال تلك التجربة، كان لي شرفُ العمل بالقرب من معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف آل الشيخ. يعرفه النَّاس بعفويَّته، وتلقائيَّته، وصراحته التي لا تترك مساحةً للتأويل، غير أنَّ أكثر ما استوقفنِي، هو حضوره الدَّائم عندما يتعلَّق الحديث بالوطن.
حبُّ الوطن قيمةٌ تربَّينا عليها منذ الصِّغر، وترسَّخت في وجداننا قبل أنْ ندخل ميادين العمل، غير أنَّ رُؤية قائد يحمل هذه القناعة في كلِّ موقف، تمنحها بُعدًا عمليًّا مختلفًا. فهناك فرقٌ بين أنْ تؤمن بالفكرة، وأنْ ترى كيف تتحوَّل إلى منهج في التفكير، وإلى معيار تُقاس به المواقف.
كان يتحدَّث كثيرًا عن خطورة الإرجاف، لا باعتباره قضيَّة إعلاميَّة عابرة، وإنَّما لأنَّه يستهدف الثقة، ويمنح الشائعات قدرةً على إرباك المجتمعات، ويفتح ثغرات يحاول المتربِّصون بالأوطان النفاذ منها. وكان يؤكِّد في لقاءاته مع الشَّباب أنَّ الكلمة قد تبني وعيًا، وقد تحمي وطنًا، وقد تمنح النَّاس طمأنينةً يحتاجُون إليها أكثر من أيِّ وقت.
تلك الرسائل لم تكن دروسًا في الوطنيَّة، بقدر ما كانت تذكيرًا دائمًا بمسؤوليَّة كلِّ فرد تجاه وطنه. فحبُّ الوطن شعورٌ، وحماية أمنه واستقراره سلوكٌ، والفرق بينهما تصنعه المواقفُ اليوميَّة.
وعندما أعودُ بذاكرتي إلى تلك المرحلة، أشعرُ بالامتنان لكلِّ تجربة أضافت إلى خبرتِي المهنيَّة قيمةً إنسانيَّةً، ولكلِّ قائد رأيتُ فيه انسجامًا بين ما يقوله وما يمارسه. فالكلماتُ تترك أثرًا، أمَّا القدوةُ فتصنع أثرًا يبقى طويلًا في الذَّاكرة.


