Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

بين التهدئة والردع.. هل تعود الحرب مع الحوثي؟

A A
أعادت أزمة الطائرة الإيرانية المتجهة إلى صنعاء، لغة الحرب إلى واجهة المشهد بعد سنوات من التهدئة النسبية. وبين من يرى أن المنطقة تتجه نحو مواجهة جديدة، ومن يعتبر ما يجري مجرد رسائل ضغط متبادلة، يبقى السؤال الأهم: هل تغيرت معادلات الصراع بالفعل، أم أن الجميع يدرك أن الحرب لم تعد الخيار المفضل؟
الواقع أن ما نشهده اليوم يتجاوز حادثة الطائرة نفسها، فهو يعكس تداخل الملف اليمني مع التوترات الإقليمية، ولا سيما العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، ومستقبل أمن البحر الأحمر، وحسابات القوى الدولية في المنطقة. ولهذا فإن التصعيد الإعلامي والسياسي لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتخذ، بقدر ما يمثل محاولة من كل طرف لتعزيز موقعه التفاوضي وإيصال رسائل ردع إلى خصومه.
منذ توقفت العمليات العسكرية الواسعة، حرصت السعودية على إعطاء المسار السياسي فرصة حقيقية، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار اليمن يمثل جزءًا من استقرار المنطقة بأسرها. كما أن أولويات التنمية التي تقودها رؤية السعودية 2030 تجعل البيئة الإقليمية المستقرة ضرورة استراتيجية، وليست مجرد خيار سياسي. ولهذا لم يكن الانفتاح على جهود الوساطة تعبيرًا عن تراجع، بل عن انتقال من إدارة الصراع العسكري إلى إدارة الصراع سياسيًا، مع الاحتفاظ بكامل عناصر القوة والردع.
وفي المقابل، يدرك الحوثيون أن المحافظة على صورة القوة تمثل جزءًا أساسيًا من مشروعهم السياسي والعسكري، ولذلك يسعون إلى توظيف كل أزمة لإظهار قدرتهم على فرض المعادلات أو التأثير في حسابات خصومهم. غير أن هذا لا يعني بالضرورة رغبتهم في خوض حرب شاملة، لأنهم يدركون أيضًا حجم الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجه مناطق سيطرتهم، والتحديات التي فرضتها المتغيرات الإقليمية خلال العامين الماضيين.
أما إذا فُرضت المواجهة العسكرية، فإن الظروف اليوم تختلف كثيرًا عما كانت عليه عند بداية الحرب. فقد طورت السعودية قدراتها الدفاعية بصورة كبيرة، سواء في أنظمة الدفاع الجوي، أو مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ، أو تكامل منظومات القيادة والسيطرة والاستخبارات، مستفيدة من الدروس التي أفرزتها سنوات الصراع. كما أصبحت أكثر قدرة على إدارة العمليات العسكرية ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، وليس من خلال ردود أفعال آنية.
الحديث عن حسم عسكري سريع يبدو أقرب إلى التبسيط منه إلى التقدير الواقعي. صحيح أن موازين القوى تغيرت مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وصحيح أن القدرات الحوثية تعرضت لاستنزاف ملحوظ، إلا أن أي مواجهة واسعة قد تتحول مرة أخرى إلى حرب استنزاف طويلة إذا لم ترتبط بأهداف سياسية واضحة، وخطة لإنهاء الصراع، لا لإدارته فقط.
كما أن أي حرب جديدة لن تكون معزولة عن محيطها الإقليمي. فالبحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة الدولية أصبحت عناصر رئيسية في معادلة الأمن الدولي، وأي تصعيد ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود اليمن، وتمس التجارة العالمية وأسواق الطاقة، وهو ما يدفع القوى الدولية إلى تفضيل احتواء الأزمة على توسيعها.
لهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية ليس الحرب الشاملة، بل استمرار سياسة الردع المتبادل، مقرونة بضغوط سياسية وإعلامية ومحاولات لتحسين المواقع التفاوضية. أما إذا وقع تصعيد عسكري، فمن المرجح أن يكون محدودًا ومحسوبًا، ما لم تؤدِ حادثة كبيرة إلى تغيير قواعد الاشتباك بصورة يصعب احتواؤها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوة العسكرية ضرورة لحماية الأمن الوطني، لكنها ليست وحدها من يصنع السلام. والسلام المستدام يحتاج إلى توازن بين الردع والحوار، وبين حماية السيادة وإيجاد تسوية سياسية قابلة للحياة. وفي هذا الإطار، تبدو السعودية حريصة على الإبقاء على هذا التوازن؛ فلا تتهاون في أمنها، ولا تتعجل حربًا تعرف مسبقًا أن كلفتها ستكون باهظة على الجميع.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store