Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

جائزة الترجمة.. المعنى بلغة أخرى

A A
في كل لغة، هناك عالم من الأفكار والتجارب والخيال، لا يمكن نقلها إلى ثقافات أخرى إلا من خلال الترجمة التي تمنح النصوص حياة جديدة خارج حدودها الجغرافية، في رحلةٍ تعبُر فيها التجارب الإنسانية من ثقافة إلى أخرى. فالمترجم يعيد خلق المعنى ويحافظ على روح النص وهو ينتقل من عالم إلى آخر. ومن هذا الإدراك العميق لهذا التخصص الإنساني المهم، جاءت "جائزة الترجمة" ضمن مبادرة "الجوائز الثقافية الوطنية" التي تنظمها وزارة الثقافة، لتحتفي بالمترجمين الذين جعلوا من المعرفة أكثر قرباً، ومن الحوار الثقافي أكثر اتساعاً.


وتأتي الجائزة بوصفها واحدة من المسارات التي تعكس وعي المبادرة بأهمية القطاعات الثقافية المتخصصة، ودورها في بناء مشهد ثقافي متكامل، فمنذ إطلاق "الجوائز الثقافية الوطنية" عام 2020، سعت وزارة الثقافة عبر المبادرة إلى مواكبة التحولات الثقافية عبر تطوير مساراتها بصورة مستمرة، حيث انطلقت بـ 14 مساراً، قبل أن تصل إلى 19 مساراً في نسختها الأخيرة لعام 2025 في تأكيد واضح على حيوية القطاع الثقافي السعودي وتنوع روافده.

وتكمن أهمية "جائزة الترجمة" في أنها تعيد تسليط الضوء على هذا المجال بوصفه أحد أهم الجسور الحضارية بين الشعوب؛ فالترجمة أدّت عبر التاريخ دوراً محورياً في انتقال العلوم والفلسفة والآداب، وكانت دائماً أحد المحركات الكبرى لازدهار الحضارات. واليوم، تواصل الجائزة هذا الامتداد عبر تكريم المترجمين الذين يسهمون في إثراء المحتوى العربي، وفتح نوافذ جديدة للقارئ المحلي والعربي على التجارب العالمية.
كما تمنح الجائزة دفعة قوية للمشتغلين في هذا القطاع، وتشجع الأجيال الجديدة على دخول عالم الترجمة بوصفه مجالاً معرفياً وإبداعياً يتطلب الحس اللغوي والوعي الثقافي والقدرة على فهم التفاصيل الدقيقة للنصوص. وهي، بهذا المعنى، لا تكرّم الأفراد فقط، بل تسهم في تحفيز حركة الترجمة بأكملها، ورفع مستوى الاهتمام بها داخل المشهد الثقافي.
وقد عكست الجائزة تنوعاً في التجارب الفائزة، بما يؤكد اتساع حضور الترجمة السعودية وتعدد اهتماماتها. ففي النسخة الأولى فاز كل من عبدالله إدريس وسلطان المجيول وبندر الحربي، وفي الدورة الثانية، ذهبت الجائزة إلى شريف بقنة، بينما شهدت الدورة الثالثة تتويج مها الفالح، وفاز وليد العمري بجائزة الدورة للعام 2024، ونالها عبدالله الوليعي خلال العام 2025، وخلال هذه الأعوام احتفت الجائزة بتجارب مختلفة قدمت الترجمة بوصفها فعلاً ثقافياً يتجاوز حدود اللغة وقدمت جهوداً نوعية في نقل المعرفة والأدب إلى المكتبة العربية.
وما يميز هذه الجائزة أنها لا تنظر إلى الترجمة كعمل تقني إنما كفعل إبداعي يشارك في تشكيل الوعي، وتوسيع أفق القارئ، وتعزيز الحوار بين الثقافات. فكل كتاب مترجم يحمل معه نافذة جديدة على العالم، وكل مترجم يسهم بطريقته في بناء هذا الجسر الطويل بين الشعوب والمعارف.
وفي ظل التحولات الثقافية المتسارعة التي تشهدها المملكة، لم تعُد "جائزة الترجمة" مجرد تكريم سنوي؛ بل أصبحت رسالة تؤكد أن الانفتاح على العالم يبدأ من المعرفة، وأن الثقافة السعودية وهي تعزّز حضورها عالمياً، تدرك في الوقت ذاته أهمية قدرتها على الإصغاء إلى الآخرين، وقراءة تجاربهم، والتحاور معهم بلغة الثقافة والفكر والإبداع.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store