على مدى عقود، ظلَّ هدف لفت انتباه العالم “Global Attention” أحد أهم أهداف الدبلوماسيَّة العامَّة، وربما كان ذلك الهدف -ولا زال- منطقيًّا بالنسبة للدول الصغيرة، التي تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي.. لكن نجاح أيِّ دولة في تحقيق ذلك الحضور، يفرض عليها سؤالًا جديدًا مفاده، هل تستمر في قياس نجاحها بالمؤشرات نفسها، أم أنَّ لكل مرحلة معاييرها الخاصَّة؟.
بالنسبة للمملكة العربيَّة السعوديَّة، أرى بأنَّها وصلت اليوم، إلى مرحلة متقدِّمة تستحقُّ معها إعادة طرح هذا السؤال...
فالمملكة لم تعد دولة تبحث عن مكان على خريطة الاهتمام الدوليِّ، بل أصبحت حاضرةً في السياسة والاقتصاد والاستثمار والثقافة والسياحة والترفيه والتعليم، وأصبحت كثير من مبادراتها محل متابعة عالميَّة. ومع ذلك، لا أعرفُ لماذا لا زال البعضُ في كثير من الأحيان يقيس نجاح مبادرات دبلوماسيتنا العامَّة بالسؤال ذاته: هل تحدَّث العالم عنَّا، وكم مرَّة ردَّد اسمنا؟.
في تقديري، كان هذا سؤالًا مناسبًا في مرحلة سابقة، لكنَّه لم يعد كافيًا اليوم.. فالانتباه ليس غاية، بل مورد إستراتيجيٌّ، فهو قد يكون لافتًا لكنَّه مؤقت، وصاخبًا لكنَّه غير راسخ، وعالميًّا لكنَّه لا يضمن بالضرورة أثرًا إيجابيًّا دائمًا في الصورة الذهنيَّة أو في مستوى الثقة. ولذلك فإن قيمة «الانتباه» الحقيقية لا تكمن في حجمه وصخبه، بل في القدرة على استثماره وتحويله إلى نتائج مستدامة.
ولهذا أرى أنَّ الدبلوماسيَّة العامَّة دخلت اليوم مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ»دبلوماسيَّة ما بعد الانتباه»، وهي تشير إلى المرحلة التي تنتقل فيها الأولويَّة من السعي إلى جذب الاهتمام الدوليِّ، إلى إدارة هذا الاهتمام وتحويله إلى ثقة، وشراكات، وصورة ذهنيَّة مستقرَّة، ورصيد معنويٍّ يخدم المصالح الوطنيَّة على المدى الطويل.
فالفرق بين المرحلتين واضح، ففي الأولى يكون السؤال هو، كيف نجعل العالم يلتفت إلينا؟ أمَّا في الثانية فيصبح السؤال، ماذا بعد أنْ التفت العالم إلينا؟.
هذه النقلة الفكريَّة لا تقلِّل بالتأكيد من أهميَّة المبادرات الكبرى، بل ترفع سقف تقييمها.. فعندما تستضيف دولة حدثًا عالميًّا، أو تطلق مشروعًا ضخمًا، أو تستقطب شخصيَّة ذات حضور دوليٍّ، فإنَّ نجاحها لا ينبغي أنْ يُقاس فقط بحجم التغطيات والتفاعلات الإعلاميَّة، أو بعدد مرَّات تداول اسمها، وإنَّما بما أحدثه ذلك من تغيُّر إيجابيٍّ في الصورة الذهنيَّة، أو في مستوى الثقة، أو في نوعيَّة العلاقات التي بنتها مع العالم.
إنَّ المشكلة ليست في الاهتمام بلفت الانتباه، بل في تحويله إلى المعيار الرئيس للحكم على النجاحات. فالتغطيات الإعلاميَّة والتفاعلات على شبكات التواصل الاجتماعيِّ هي مؤشرات نشاط، لكنَّها ليست بالضرورة مؤشرات تأثير.. أمَّا الأثر الحقيقي، فيقاس بما يبقى بعد انتهاء الحدث، وبما يتحوَّل إلى قيمة مستدامة لا تنتهي بانتهاء المناسبة، أو تغيُّر العناوين وتبدُّل الاهتمامات.
لقد نجحت المملكة خلال السنوات الماضية في بناء حضور دولي يصعب تجاهله، وهذا بحد ذاته إنجاز مهم. لكن نجاح هذه المرحلة ينبغي أنْ يدفعنا إلى الانتقال لما بعدها، لا إلى البقاء أسرى لمعاييرها، فنجاح المبادرات لا يتأتى بتكرار أهداف الأمس، بل بتطوُّر أهدافها مع تطور مكانتها.
خلاصة القول، لعلَّ التحدِّي الحقيقي أمام ممارسي الدبلوماسيَّة العامَّة السعوديَّة اليوم، لم يعد في إثبات القدرة على جذب انتباه العالم، (فهذا أمر تحقق فعلًا)، وإنَّما في إدارة هذا الانتباه، وقياسه بدقة، ومن ثم تحويله إلى رصيد مستدام من الثقة والتأثير والمكانة الدولية.


