كان لي زميلٌ خمسينيٌّ، بإحدى الجهات الكبرى -التي عملتُ فيها- ذو حسٍّ كوميديٍّ وفكاهيٍّ، كان دائمًا ما يتباهى أمام الزملاء بأنَّه (سي سيد)، وأنَّ كلمته ما تنزل الأرض، سواء مع زوجته أو حماته، والحقيقة أنني كنتُ معجبًا بنبرة صوته، وقوَّة شخصيته، خاصَّة أنَّني للتوِّ دخلتُ عش الزوجيَّة، حتى سألني ذات مرَّة: تعرف أحد يشتري سيارتي؟!؛ لأجيبه بكل دهشة: ليش تبيعها وهي حلوة وجديدة، ولو بعتها من الصَّعب تلاقي بقيمتها بديلة، طبعًا حسيته تلعثم وانقلب وجهه -ولم يعد خوينا اللِّي نعرفه- ليخفته زميلٌ آخرُ فاهمه: كيف تطاوع حرمتك؟ كيف تبيع سيارتك للسِّياحة؟!
هناك هوسٌ اجتماعيٌّ غير مسبوق للسِّياحة الخارجيَّة، كلف بعض الأزواج الساذجين ضغوطات نفسيَّة والتزامات مادية، منهم من أراق ماء وجهه للديانة، منهم مَن باع سيارته الوحيدة، ومنهم مَن ضحَّى ببدل سكنه، أو تحويشة عمره، كل هذا ليواكب (القالة) ويرضي غرور حرمته، وتسلُّط حماته، وإلَّا لو سألته لتمتم قائلًا: لو عليه ما ارتاح إلَّا للسِّياحة الداخليَّة، بس لو يخفِّضُوا أسعار الفنادق والمرافق الترفيهيَّة، ويخلُون الواحد في حاله!!
لقياس الهوس الاجتماعيِّ للسياحة الخارجيَّة، يكفيك النظر إلى مقاطع الجالية السعوديَّة المتكدِّسة، في (الشمال التركيِّ)، وتحديدًا شواطئ طرابزون، وبحيرات أوزنجول، ومزارع الشاي بإيدر وريزا، إلى جانب مقاهي الشانزليزية بباريس، وشوارع أكسفورد وريجينت بلندن، وقصور الأمبراطوريَّة النمساويَّة فيينا، وسوف يخالجك الشَّك للحظة أنَّ هذه مقاطع مركَّبة AI لعائلات سعوديَّة يُفترض أنَّها تتمشَّى بالسودة، أو الشفا، أو غابة رغدان!!
طبعًا، ليس من حقنا أنْ نقف ضد رغبة مَن يفضِّلُون السِّياحة الخارجيَّة -فكلُّ إنسان حرٌّ في نفسه- نحن فقط نستنكر تلك الفورة أو الهبَّة المجتمعيَّة، التي يتعازم فيها الجيرانُ والقرابةُ من الطبقة الكادحة، لينظِّموا رحلة سياحيَّة كل سنة لإحدى الدول الخارجيَّة؛ ممَّا يضع الأزواج السَّاذجين بورطة، فإمَّا أنْ يجامل الواحد منهم، ويدخل في سلسلة ديون طويلة، أو يعتذر ويدخل في موجة مشكلات أُسريَّة مع زوجته النَّقمة وحماته المتسلِّطة!!
الحل الوحيد، الذي يمكنه تغيير فكرة السِّياحة الخارجيَّة لدى الفئة المستهدَفة، يبدأ بتكثيف الرحلات الجويَّة المخفَّضة من وإلى الطائف، أبها، الباحة، يبدأ بتوفير الفنادق والشُّقق المفروشة الرَّاقية والرَّخيصة، يبدأ بمنع استغلال التجار الجشعين لحاجة المصطافين حين يرفعُون أسعار المرافق السياحيَّة، يبدأ بتعديل بعض العادات المجتمعيَّة، التي تحدُّ من حرية المصطاف الذي خرج من ديرته يتنزَّه ويُروِّح عن نفسه، فيصطدم بعزايم وجمعات يوميَّة!!
وعودة لقصة زميلنا: فقد حاول بعد أنْ رجع من رحلته السياحيَّة، أنْ يلعب من جديد دور (سي السيد) ويتباهى بقراراتِه الصَّارمة ضد زوجته وحماته، لكنَّه أمام ابتسامتِي السَّاخرة، عرف أنَّني كشفتُه، فحوَّر السَّالفة وخفتنِي قائلًا: «يا واد أستر عليَّ، ولك مني نصيحة ثمينة، أنا عارف أنَّه توَّه جاك مولودك البكر، ويحتاج رعاية، لذلك بعلمك طريقة صنع حليبه، ومهم ترج الرضَّاعة جيدًا، وتحط قليلًا منها على كفِّك لتقيس درجة حرارته، لا يسلخه وتقوم عليك الحرمة، وقدام شويه بعلِّمك لبس المريلة، وصنع الشُّوربة، ولف السمبوسة، والأهم من هذا كله: كيف تبيع سيارتك للسِّياحة؟!».


