Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

ثلاث صور تتجاوز حدود المصادفة.. جمعها أكبر مسرح

A A
أنْ نقرأ الحدث في لحظته شيءٌ، وأنْ نفهم معناه بعد اكتماله شيءٌ آخرُ! فكثير من الوقائع تمرُّ أمامنا في صورة عاديَّة، ثم تعود بعد أيام أو أعوام محمَّلة بمعنى لم ننتبه إليه. نخطط، ونرتب، ونضع النهايات وفق ما نراه، ثم تسلك الحياة طريقًا لم يكن حاضرًا في حساباتنا، فنكتشف أنَّ مساحة ما نعرفه أقل بكثير من مساحة ما خفي عنَّا.
ولستُ من هواة تحميل كل واقعة أكثر ممَّا تحتمل، غير أنَّ التأمل في الأحداث يمنح الإنسان فرصة لفهم محدودية نظرته، ويؤكد أنَّ ما يبدو ثابتًا اليوم قد تتغير صورته غدًا بأمر الله.
أمامنا نهائي كأس العالم بين (إسبانيا - الأرجنتين) مباراة في ظاهرها رياضيَّة، وفي تفاصيلها مجموعة من المفارقات التي تستحق التوقف.
في خلفيَّة المشهد، أظهرت تطوُّرات المنطقة تباينًا بين واشنطن ومدريد حول عدد من الملفَّات الدوليَّة والدفاعيَّة. كانت لكل حكومة رؤيتها ومواقفها المعلنة، واستمر التواصل بين الدولتين في إطار العلاقات التي تجمعهما، ثمَّ جاء نهائي كأس العالم ليجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وملك إسبانيا في ملعب واحد. وبعد فوز المنتخب الإسباني، شارك ترامب في مراسم التتويج، وتسليم الكأس إلى أبطال العالم.
المفارقة هنا لا تتعلَّق بتغيُّر المواقف، أو التراجع عنها؛ فلكل دولة حساباتها وقراراتها. اللَّافت أنَّ حدثًا رياضيًّا عالميًّا وضع شخصيَّات اختلفت رؤاها السياسيَّة في مشهد احتفاليٍّ واحد، وقدَّم صورة تؤكد أنَّ مساحات اللقاء تظل قائمة مهما تعدَّدت وجهات النظر.
وعلى العشب نفسه، كانت الأيام تستعيد صورة التُقطت قبل تسعة عشر عامًا، وجمعت «ليونيل ميسي» و»لامين يامال» النجم الإسباني من أصول مغربيَّة وغينيَّة.
شارك «ميسي» وكان في العشرين من عمره، في تصوير تقويم خيري نظمته «يونيسف» وصحيفة «سبورت» حمل بين يديه رضيعًا لم يتجاوز عمره خمسة أشهر، ووضعه في حوض صغير أمام عدسة المصوِّر. لم يكن ذلك الطفل سوى لامين يامال!
«ميسي» لم يكن يعرف ما ستكتبه الأيام لذلك الرضيع، والطفل لم يكن يدرك أنَّ اليدين اللَّتين تحملانه تعودان إلى لاعب سيملأ العالم باسمه حتى المصوِّر لم يرَ في المشهد أكثر من صورة لتقويم خيريٍّ.
دارت الأيام، وكبر الطفل، ووصل اللاعبان وجهًا لوجه إلى نهائي كأس العالم؛ ميسي في التاسعة والثلاثين يحمل تاريخًا استثنائيًّا، ويامال في التاسعة عشرة يحمل مستقبلًا مفتوحًا. وانتهت المباراة بخروج إسبانيا بالكأس، فيما غادر ميسي آخر نهائيٍّ عالميٍّ محتمل في مسيرته.
صورة بدأت بحوض صغير في برشلونة، وانتهت فوق أكبر مسرح كروي في العالم! وبعيدًا عن منصَّة التتويج والمستطيل الأخضر، كان معنى آخر يتشكَّل داخل بيوتنا.
جمعت المباراة الأسرة أمام شاشة واحدة، رغم اختلاف أعمار أفرادها، واهتماماتهم جلس من يحب كرة القدم، ومن لا يعرف كثيرًا عن قوانينها، ومن جاء لمشاهدة «ميسي» ومن أراد متابعة «يامال» ومن جذبه الحدث العالمي فقط.
لكل واحد دافعه، غير أنَّ المشهد جمعهم في مساحة واحدة، بعد أنْ فرَّقت الشاشات الصغيرة أفراد الأسرة، وصار لكل شخص عالمه المنفصل داخل البيت نفسه.
لم تحل المباراة مشكلات الحياة، ولم تلغِ اختلاف الأذواق، لكنَّها قدَّمت دليلًا بسيطًا على أن (الأسرة) تستطيع الاجتماع متى وجدت هدفًا مشتركًا ومساحة يتقاطع عندها اهتمام أفرادها، قد تكون كرة القدم تلك المساحة في ليلة، وقد تكون مناسبة عائليَّة أو فكرة أو مشروعًا في ليلة أخرى.
ثلاث صور تبدو متباعدة: قادة جمعتهم منصَّة رياضيَّة رغم اختلاف الرؤى، ونجم كبير واجه شابًا حمله بين يديه رضيعًا قبل تسعة عشر عامًا، وأسرة فرقتها تفاصيل الحياة ثمَّ جمعها نهائي عالمي.
والخيط الذي يصل بينها واحد: الإنسان يرى جزءًا من المشهد، ثم يتعامل معه كأنَّه الصورة كاملة!
كم من موقف قرأناه خطأً في لحظته، وكم من طريق ظننّاه مغلقًا ثم قادنا إلى مكان لم نتوقعه، وكم من تجربة بدت قاسية قبل أنْ تكشف الأيام معناها. التخطيط ضرورة، والسعي واجب، غير أنَّ اليقين يظل أوسع من حسابات البشر، فكلُّ شيءٍ يجري بأمر الله.
* نقطة تحت السطر:
ما نراهُ نهايةً قد يكونُ أوَّل سطرٍ في مشهدٍ لم نقرأهُ بعد؛ فالإنسانُ يحسبُ بمَا يعرفُ، واللهُ يدبِّرُ بما يعلمُ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store