وقف طالبٌ يحمل معدَّلًا فاق 90٪ أمام شاشة القبول. كانت رغباته الأولى تتلوَّن بالأحمر، واحدةً بعد أخرى. بذل كل ما يستطيع، ووجَّه طموحه نحو بابٍ واحد، ثم اكتشف أنَّ ذلك الباب لم يُفتح له.
في تلك اللحظة، يخسر الطالب مقعدًا، ويظن معه أنَّه خسر مستقبله كله.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل أُغلقت أمامه فرصته، أم أُغلق بابٌ واحد من أبوابها؟
يتكرر هذا المشهد كل عام، ويكشف سؤالًا أعمق من سؤال: ما أفضل تخصص؟ وهو: من يملك حق تعريف النجاح؟
ويُنسب إلى الإمام مالك -رحمه الله- قوله: “إنَّ اللهَ كما قسَّم الأرزاقَ، قسَّم الأعمالَ أيضًا.” وهو معنى ينسجمُ مع سنن الحياة؛ فالحياة تقوم على تكامل الأعمال، وتنوع الأدوار، وتبادل الحاجة بين الناس.
وحين لا يُفتح الباب الذي تمنَّاه الطالب، يكتشف كثيرون أنَّهم ربطوا النجاح بباب واحد، بينما جعل الله للحياة أبوابًا كثيرة، ولكل بابٍ أهله. فالمجتمع لا يقوم بطبيب وحده، ولا بمهندس وحده، ولا بمحاسب وحده، ولا بمعلم وحده، وإنما يزدهر حين يتقن كل واحد منهم موقعه، ويؤدِّي دوره بإحسان.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنَّ النظام نفسه يرسل إشارات تدفع كثيرًا من الأسر إلى تفضيل تخصصات بعينها؛ فراتب البداية، وسرعة الترقي، والمكانة الاجتماعيَّة، كلها عوامل تؤثر في القرار. وهي إشارات حقيقيَّة، لكنها لا تحسم النهاية. فالقبول يفتح الباب الأول، أمَّا الإتقان فهو الذي يُبقي الأبواب مفتوحة، مهما تغيَّر سوق العمل.
ولهذا أردد لطلابي دائمًا: “أتخرَّج في جامعة أُمِّي، بتخصُّص أبويَا... بس خلك فاهم».
أعرف أن العبارة عامية، لكنَّها اختصرت ما عجزت عشرات المحاضرات عن اختصاره. فالجامعة تمنحك فرصة، والتخصص يفتح لك بابًا، أمَّا الفهم فهو الذي يُبقي هذا الباب مفتوحًا، ويصنع لك مكانتك بعد أن تدخله.
كم من خريج جامعة عريقة سبقه اسم جامعته إلى المجلس، ثم انصرف الناس عنه بعد دقائق. وكم من خريج جامعة محليَّة لم يعرفه أحد، فلَّما تكلَّم أنصت الجميع.
الاسم يسبقك مرَّة واحدة، أمَّا الفهم فيرافقك طوال الطريق.
وما يحدث في الجامعات يتكرَّر داخل المؤسسات؛ فكل إدارة ترى نفسها الأهم، حتى تأتي أول أزمة، فتكتشف المؤسَّسة أنَّ نجاحها لم يكن رهين إدارة واحدة، بل بتكامل الجميع.
فالتفاضل الحقيقي بين الناس يبدأ بعد أنْ يعبر كل واحد بابه، لا عند بوابة القبول.
ولهذا، إذا سألني ولي أمر: ما أفضل تخصص لابني؟ فلن أذكر اسم تخصص، وإنما سأقول: ابحث له عن الباب الذي يستطيع أنْ يبلغ فيه مرتبة الإحسان. فقد لا يُفتح له الباب الذي تمناه، لكنَّه قد يجد في باب آخر أثرًا أعظمَ، ورسالة أبقى.
وهذا هو الرهان الذي تبني عليه الأمم الناجحة مستقبلها؛ أن يعرف كل إنسان موقعه، ويتقن عمله، ويتحمَّل مسؤوليَّته. وهو ما تنسجم معه رُؤية المملكة 2030 في بناء رأسمال بشري يُقاس بالإتقان والأثر، لا بعدد الشهادات وحدها. فالمقاعد تمنحها الأنظمة، أمَّا المكانة فلا يمنحها إلَّا الإتقان.
وقد لا يُفتح الباب الذي تمنيته، لكن ذلك لا يعني أن مستقبلك قد أُغلق. فالله قسَّم الأرزاق، وقسَّم الأعمال، وترك باب الإحسان مفتوحًا للجميع.


