Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

قلة الكلام مع طول البال

A A
في زمنٍ أصبحت فيه الكلماتُ أكثرَ من الأفعال، وأصبح كثيرٌ من النَّاس يظنُّ أنَّ كثرة الحديث دليلٌ على المعرفة، برزت قيمةٌ عظيمةٌ طالما كانت سمةَ الحكماء، وهي قلَّة الكلام، مع طول البال، فالإنسانُ لا يُقَاس بعددِ الكلمات التي ينطقُ بها، وإنَّما بما تحمله كلماته من قيمةٍ، وما يرافقها من حكمةٍ، وما ينتج عنها من أثرٍ إيجابيٍّ في النُّفوس.
لقد أصبحنا نعيشُ في عصر تتدفَّق فيه المعلومات والآراء بلا توقُّف، حتَّى بات البعض يتحدَّث في كل شيءٍ، ويعلِّق على كل قضيَّة، ويقاطع الآخرين قبل أن يُكملُوا حديثهم، بينما الحقيقة أنَّ الحكمة كثيرًا ما تبدأ بالصَّمت، وتنضج بالاستماع، وتثمر بالتَّفكير قبل النطق.
ليس المقصود بقلَّة الكلام أنْ يكون الإنسان منعزلًا أو عاجزًا عن التعبير، وإنَّما المقصود أنْ يتحدَّث عند الحاجة، وأنْ يختار ألفاظه بعناية، وأنْ يكون حديثه مختصرًا، واضحًا، ومفيدًا، فالنَّاس لا تتذكَّر طول الحديث، وإنَّما تتذكَّر الفكرة التي أحدثت فرقًا، والكلمة التي لامست العقل والقلب. ومَن يتأمَّل سِير الناجحِين يجد أنَّ معظمهم يجيدُون فنَّ الإنصات أكثر من فنِّ الحديث، فالاستماع يمنح الإنسان فرصةً لفهم الآخرين، ويكشِّف له ما لا يستطيع اكتشافه أثناء انشغاله بالكلام.
أمَّا طول البال، فهو الوجه الآخر للحكمة، فالحياة لا تسير دائمًا كما نشتهي، والنَّاس يختلفُون في طبائعهم وأفكارهم وسلوكهم، ولذلك فإنَّ التسرُّع في إصدار الأحكام كثيرًا ما تؤدِّي إلى خسائر كان بالإمكان تجنُّبها بقليل من الصَّبر. وطول البال لا يعني الضعف، بل هو قوة داخليَّة تمنح الإنسان القدرة على السيطرة على انفعالاته، والتَّعامل مع المواقف بعقلانيَّة، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، فالإنسانُ القويُّ ليس مَن يرفع صوته، وإنّما مَن يملك نفسه عندما يغضب.
وطول البال في الإدارة يساعد على اتِّخاذ قرارات أكثر جودة، فالقرار المتسرِّع قد يحقِّق ارتياحًا مؤقتًا، لكنَّه قد يسبِّب مشكلات طويلة الأمد، بينما يمنح التَّروي فرصة لدراسة البدائل، وفهم جميع جوانب الموضوع قبل الحسم.
وفي الحياة الأسريَّة، لا تقلُّ أهميَّة هذه القيمة، فكثير من الخلافات الأسريَّة تبدأ بكلمة قيلت في لحظة غضب، أو برد فعل متسرِّع، أو بإطالة النِّقاش فيما لا يستحقُّ، ولو تحلَّى كلُّ طرفٍ بشيءٍ من الصَّبر، واختصر الكلام، واستمع للطَّرف الآخر حتى النهاية، لانتهت كثير من المشكلات قبل أنْ تبدأ.
أمَّا في العلاقات الاجتماعيَّة، فإنَّ الإنسان الهادئ المحترم لكلام الآخرِين، يتجنَّب الدخول في جدالات لا طائل منها، يكون أكثر قبولًا بين النَّاس، فالنَّاس بطبيعتهم يميلُون إلى مَن يمنحهم فرصةً للتعبير ويشعرهم بأهميَّة آرائهم.
ومن الأخطاء الشَّائعة أنَّ بعض الأشخاص يعتقد أنَّ الفوز في الحوار يكون بإطالةِِ الكلام، أو برفع الصوت، بينما الحقيقة أنَّ أقوى الحجج كثيرًا ما تُقال في عبارات قليلة، فالإيجاز ليس نقصًا، بل هو دليلٌ على وضوح الفكرة، ونضج صاحبها. والأشخاص الذين يمتلكُون قدرةً أعلى على ضبط النَّفس، وتأجيل ردود أفعالهم، يحقِّقون نجاحًا أكبر في حياتهم المهنيَّة؛ لأنَّهم يتَّخذُون قراراتهم بناءً على التفكير لا على الانفعال.
إنَّ كثرة الكلام قد تُوقع الإنسان في أخطاء لم يكن يقصدها، فقد يبوح بسرٍّ، أو يجرح مشاعرَ شخصٍ، أو ينقل معلومةً غير دقيقة، أو يَعِدُ بما لا يستطيع الوفاء به. والكثير من القضايا في عصر وسائل التواصل الاجتماعيِّ تبدأ بتعليق متسرِّع، أو تغريدة انفعاليَّة، أو رسالة كُتبت في لحظة غضب، وبعد دقائق يندم صاحبها، لكنَّ الكلمة تكون قد انتشرت، وربما لا يمكن استرجاع أثرها.
إنَّ من الحكمة أنْ يمنح الإنسان نفسه وقتًا قبل الرد، وأنْ يسأل نفسه: هل ما سأقوله مفيدٌ؟ وهل سيضيف شيئًا جديدًا؟ وهل يستحق الأمر الدخول في هذا النقاش؟ فإنْ كانت الإجابة بالنَّفي، فالصَّمت في هذه الحالة أبلغ من الكلام. ولا يعني هذا أنْ يسكت الإنسان عن الحقِّ، أو يتردَّد في الدفاع عن المبادئ، بل المقصود أنْ يختار الوقت المناسب، والأسلوب المناسب، والعبارات المناسبة، فالكلمة الطَّيبة تصل إلى القلوب، بينما الكلمة القاسية لا تجرح فقط المشاعر، وربما تهدم كيان الانسان.
إنَّ المجتمعات التي يسودُ فيها الحوار الهادئ، والاستماع المتبادل، واحترام اختلاف الآراء، تكون أكثرَ تقدُّمًا من المجتمعات التي يغلبُ عليها الصُّراخ والجدل العقيم، فالتقدُّم لا يصنعه كثرة المتحدِّثين وإنَّما كثرة المنجزِين.
إنَّ طول البال ليس بطئًا في الشخصيَّة، بل نضج في التعامل. ومن الصفات الجميلة التي ترتبط به، التغاضي عن الزلَّات، فليس من الحكمة أنْ يحاسب الإنسان من حوله على كلِّ كلمة أو تصرُّف؛ لأنَّ الكمال ليس من صفات البشر، ومن يتَّسع صدره للنَّاس، تتَّسع له قلوبُهم. ومن المفيد أنْ يدرِّب الإنسان نفسه على هذه الصفة تدريجيًّا، فيتعلَّم الإنصات حتى نهاية الحديث، ويتجنَّب المقاطعة، ويختصر كلماته، ويؤجِّل الرَّد عند الغضب، ويمنح الآخرين فرصةً لشرح وجهات نظرهم، ومع مرور الوقت تصبحُ
هذه الممارسات جزءًا من شخصيَّته.
وفي الختام، فإنَّ قوَّة الإنسان لا تُقَاس بسرعة ردِّ فعله، وإنَّما بقدرته على التحكُّم في نفسه. وإذا أردنا أنْ نبني أسرًا أكثر استقرارًا، ومؤسَّسات أكثر نجاحًا، ومجتمعًا أكثر وعيًا، فعلينا أنْ نعيد الاعتبار لفضيلتَين عظيمتَين قد تبدُوَان بسيطتَين، لكن أثرهما بالغ العمق: قلَّة الكلام وطول البال، فهما مفتاحُ الاحترام، وجسر الثقة، وطريق النَّجاح في مختلف مجالات الحياة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store