ويستعرض الكاتب والباحث في تاريخ جزر فرسان إبراهيم حسن العقيلي ملامح هذه الرحلة، موثقًا تاريخ السقيد والقرى المجاورة لها، ومؤكدًا أن ما شهدته المنطقة من تطور يمثل محطة مهمة في تاريخ فرسان، ويجسد إرادة الأهالي في تجاوز تحديات المكان وصناعة مستقبل أفضل.
ولفت إلى أن السقيد كانت معزولة عن بقية أجزاء الجزيرة، ولم يكن الوصول إليها ممكناً إلا عبر قناة بحرية ضيقة بواسطة قوارب خشبية يقودها عدد من أبناء المنطقة، تولوا نقل الأهالي وممتلكاتهم لسنوات طويلة، في مشهد يجسد طبيعة الحياة قبل اكتمال مشروعات البنية التحتية.
وبيّن العقيلي أن تنفيذ جسر السقيد، الذي بدأ عام 1405هـ وافتُتح عام 1407هـ، شكل نقطة التحول الأبرز في تاريخ القرية، إذ أنهى معاناة التنقل، وربطها ببقية أجزاء جزيرة فرسان، ومهد لمرحلة جديدة من التنمية والاستقرار.
وأضاف أن استكمال الخدمات الأساسية استغرق سنوات أخرى، إذ استمرت معاناة الأهالي مع نقص الكهرباء والمياه والتعليم، ما دفع عدداً من الأسر إلى الانتقال إلى فرسان ومدينة جدة ومدن أخرى بحثاً عن فرص العمل والاستقرار.
وأكد العقيلي أن وصول التيار الكهربائي إلى السقيد عام 1422هـ أسهم في عودة عدد من الأهالي إلى منازلهم ومزارعهم، وأعاد النشاط إلى القرية تدريجياً، فيما ظلت مزارع النخيل والبيوت القديمة شاهدة على تاريخ المكان، وتحفظ جانباً مهماً من ذاكرة سكانه.
كما استحضر العقيلي أسماء عدد من رجالات السقيد الذين كان لهم أثر اجتماعي بارز، من بينهم محمد علي أشقر، ومحمد هاشم مساوى، وعبده بن أحمد الراجحي، وعيسى سيفين، والحسن زيدان، ومحمد مسعود، ومحمد عباس براصع، وأحمد كبيني، وأحمد حسين مظفر، وهاشم مساوى، وأحمد صغير سهيل، وعمر نجاش، وغيرهم ممن بقيت سيرتهم حاضرة في ذاكرة أبناء المنطقة.
وتناول العقيلي تجربة قرية خُتب الشهباء، التي تمسك أهلها بالبقاء رغم محدودية الإمكانات، وجعلوا من التعليم ركيزة للتنمية، حتى برز من أبنائها مهندسون وأطباء ومعلمون وكفاءات وطنية، ما أكسبها لقب «قرية المهندسين» بين أبناء فرسان.
مشيرًا إلى أن قرية المحصور لا تزال تحافظ على حضورها الاجتماعي، إذ يحرص أبناؤها على العودة إليها في الأعياد والمناسبات، ويجتمعون أسبوعياً في مسجدها، في صورة تعكس عمق ارتباطهم بقريتهم رغم انتقال كثير منهم للإقامة في مدن أخرى.
أما قرية أبو طوق، فقد تراجع حضورها السكاني مع تناقص عدد سكانها، ولم يبق فيها سوى العم حميد بن أحمد الشبيلي، الذي لا يزال يمثل شاهداً حياً على تاريخها وتحولاتها.
وأكد العقيلي أن قرى السقيد والمناطق المجاورة لها تمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ فرسان، وأن رحلة تحولها من العزلة إلى التنمية تجسد صبر الأهالي وإرادتهم في تجاوز تحديات الحياة، حتى خرج من بين أبنائها أطباء ومهندسون ومعلمون وضباط ورجال أعمال أسهموا في خدمة الوطن في مختلف المجالات.
وأعرب عن أمله في أن تستعيد هذه القرى حيويتها، وأن يواصل أبناؤها ارتباطهم بأرض الآباء والأجداد، حفاظاً على إرثها التاريخي والاجتماعي، وصوناً لذاكرة المكان التي تشكل جزءاً من هوية جزر فرسان.


