وفي بداية موسم الرطب، يعود سوق التمور المركزي بالمدينة المنوَّرة ليشهد حركة يوميَّة نشطة، حيث تتدفق آلاف الصناديق القادمة من مزارع المدينة والمحافظات المجاورة إلى ساحة المزاد، في مشهد يعكس أهميَّة قطاع النخيل والتمور اقتصاديًّا وزراعيًّا وتراثيًّا، إلَّا أنَّ هذا النشاط يثير في كل موسم تساؤلًا يتكرَّر بين المزارعين والمستهلكين: لماذا يبيع المزارعُ محصوله بأسعار يراها متدنِّية، بينما يصل المنتج إلى المستهلك بأسعار أعلى بكثير؟
ويرى عدد من المزارعين أنَّ أسعار المزاد هذا الموسم شهدت تفاوتًا بين الأصناف، إلَّا أنَّ كثيرًا منها جاء دون مستوى التطلُّعات، ولا يعكس جودة تمور المدينة، أو حجم التكاليف التي يتحملها المزارع طوال العام.
ويقول فهد نايف العمري، صاحب إحدى مزارع التمور إنَّ أسعار أصناف المدينة مثل العجوة والصفاوي والبرني والروثانة جاءت أقل من المتوقَّع، رغم أنَّ تكاليف خدمة النخيل من الري والتسميد والتقليم والتلقيح ومكافحة الآفات، إضافة إلى الحصاد والتعبئة والنقل، ارتفعت بشكل ملحوظ.
وأضاف إنَّ أبرز التحدِّيات تتمثَّل في ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتذبذب أسعار المزاد، واتِّساع الفجوة بين سعر البيع في المزاد وسعر التجزئة، مطالبًا بدعم المزارعين، وتحقيق أسعار عادلة، وفتح أسواق جديدة داخل المملكة وخارجها، بما يحفظ مكانة تمور المدينة ويضمن استدامة القطاع.
وأشار إلى أنَّ الأصناف الأكثر إنتاجًا، مثل البرني والروثانة والصفاوي، تكون الأكثر عرضة لانخفاض الأسعار عند زيادة المعروض، في حين تحافظ العجوة غالبًا على قيمة أعلى، مع تفاوت الأسعار بحسب الجودة والطلب.
وأكَّد مسلم صالح الدبيسي، صاحب مزرعة تمور، أنَّ تحقيق التوازن بين مصلحة المزارع والمستهلك يتطلب تطوير منظومة تسويق التمور، لافتًا إلى أنَّ ارتفاع تكاليف الإنتاج يفرض التوسع في التصدير، ودعم البيع المباشر، وتعزيز الصناعات التحويليَّة، بما ينعكس على استقرار السوق، ورفع دخل المزارعين، وضمان استدامة هذا القطاع الحيوي.
السعر تحكمه الجودة
في المقابل، يؤكِّد الدلَّالون أنَّ تحديد الأسعار لا يخضع لرغبة الدلال أو المزارع، وإنَّما لعوامل السوق وجودة المنتج.
وأوضح مسلم ابراهيم الصبحي -دلَّال في حراج التمور- أنَّ السلعة هي التي تحدد سعرها وفقًا لجودتها، مشيرًا إلى أنَّ انخفاض الأسعار يرتبط بكثرة المعروض، وضعف الجودة في بعض المنتجات، وقلة منافذ البيع داخل المدينة وخارجها، مؤكدًا أنَّ العرض والطلب يظلان العامل الرئيس في تحديد الأسعار.
وأضاف إن نجاح السوق يتطلَّب تعاون جميع الأطراف إلى جانب توفير مواقف لشاحنات نقل البضائع، وتسهيل حركة الدخول والخروج، ومنع الغش، وإنشاء منافذ بيع وبسطات للشباب السعوديِّ.
من جانبه، أوضح ناصر محيل السهلي - دلّال في حراج التمور- أنَّ سعر المزاد يتحدد بناءً على حجم الطلب المحليِّ والخارجيِّ، لافتًا إلى أنَّ أسعار هذا الموسم تُعدُّ أفضل مقارنة بالموسم الماضي، وأنَّ الطلب الخارجي، خاصة من أسواق الهند وماليزيا وعدد من الدول الأوروبيَّة، يُعدُّ من أقوى العوامل المؤثرة في السوق.
وأكَّد أنَّ من أبرز التحدِّيات خفض تكاليف تصدير تمور المدينة مع الحفاظ على الجودة، مشيرًا إلى أنَّ تطوير سوق المزاد يتطلَّب تهيئة أسواق حديثة ومناسبة للمزادات، وتحويل مقر المزاد إلى وجهة سياحيَّة وثقافيَّة تعكس هوية المدينة المنوَّرة، وتمكِّن الزوَّار والمعتمرين من التعرف على أصناف التمور، مع توفير منافذ للتغليف والشحن والخدمات اللوجستيَّة، بما يواكب مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030.
جودة التمور أساس التسعير
كما أشار سلطان سليهم -دلَّال في حراج التمور- إلى أنَّ جودة المنتج هي الأساس في تحديد سعر المزاد، مبينًا أنَّ كثرة المعروض تؤدِّي إلى انخفاض الأسعار، وأنَّ أبرز التحدِّيات تكمن في تصريف كميَّات كبيرة خلال فترة زمنيَّة قصيرة، مقترحًا زيادة عدد الباعة المحليِّين وتخصيص مواقع لهم في الأماكن العامَّة.
أسباب الفجوة السعرية
ويرى المهندس الزراعي أيمن بن محمد عرفة، أنَّ الفجوة بين سعر المزاد وسعر التجزئة تُعدُّ طبيعيَّة إلى حد كبير، نتيجة التكاليف التي يتحمَّلها تاجر التجزئة، مثل التغليف، والنقل، والتخزين، والهدر، في حين يمثِّل المزاد سعر الجملة المباشر من المزارع.
وأضاف إن الأسعار الحالية مقبولة للمستهلك، لكنَّها لا تغطِّي تكاليف الإنتاج بالنسبة لكثير من المزارعين، مشيرًا إلى أنَّ وفرة الإنتاج هذا الموسم وارتفاع تكاليف التسويق واعتماد أغلب المزارعين على البيع عبر المزاد أسهمت في انخفاض الأسعار.
واقترح دعم التسويق المباشر للمزارعين عبر المنصَّات الإلكترونيَّة، وإنشاء مصانع لشراء وتحويل الفائض، وتفعيل دور جمعيَّات المزارعين لتوحيد الجودة والتغليف.
من جانبه، أرجع المختص البيئي عادل بخش، جزءًا من الفجوة السعريَّة إلى سعي بعض تجار التجزئة لتحقيق هوامش ربح مرتفعة، إلى جانب مصروفات النقل والتخزين والعرض، مؤكدًا أنَّ أسعار الجملة تُعدُّ معقولة مقارنةً بحجم العرض والطلب، بينما تتفاوت أسعار التجزئة بين المعقول والمرتفع.
وأشار إلى أنَّ وفرة الإنتاج تُعدُّ السَّبب الرئيس لانخفاض أسعار المزارعين، لافتًا إلى أنَّ الصناعات التحويليَّة، والتسويق، والتصدير، إضافة إلى تبريد وتجميد التمور للاستفادة منها في المواسم ذات الطلب المرتفع، تمثِّل حلولًا عمليَّة لدعم السوق.
تجربة اقتصاديَّة لدعم المنتجين والمزارعين
من جانبه، أكَّد المتحدث الرسمي لموسم تمور المدينة، بدر النقيدان، أنَّ الموسم يجسِّد المكانة التاريخيَّة والاقتصاديَّة التي تحتلها المدينة المنوَّرة في قطاع النخيل والتمور، ويعكس الجهود المبذولة لتنمية هذا القطاع الحيوي.
وأوضح أنَّ الموسم يضم أكثر من 50 جناحًا للعارضين والمشاركين، إلى جانب الملتقى الصناعي الأول للتمور، كما يضم أكثر من 30 متجرًا لبيع تمور المدينة ومنتجاتها التحويليَّة، وأكثر من 15 منفذًا للأسر المنتجة، وثلاثة أجنحة للحِرفيِّين، بمشاركة أكثر من 12 جهة حكوميَّة، وأكثر من 8 مطاعم ومقاهٍ، بما يعزِّز من تنوُّع التجربة، ويثري محتوى الموسم.
وأشار النقيدان إلى أنَّ الموسم لا يقتصر على الجانب التسويقيِّ، بل يمثِّل منصَّة لدعم المزارعين والمنتجين وروَّاد الأعمال، وتعزيز الصناعات التحويليَّة والخدمات اللوجستيَّة، بما يسهم في رفع تنافسيَّة قطاع النخيل والتمور، وتعزيز قيمته الاقتصاديَّة.
انخفاض المزاد لا يصل إلى الأسواق
ويرى عدد من المستهلكين، أنَّ انخفاض الأسعار داخل المزاد لا ينعكس بالشكل الكافي على أسعار البيع في محال التجزئة، حيث تبقى بعض الأصناف مرتفعة مقارنة بأسعارها داخل السوق المركزي، وهو ما يثير تساؤلات حول حجم هوامش الربح بين المنتج والمستهلك.


