لم تعد الأبحاث السريرية تُقاس بعدد الدراسات المنشورة أو الاستشهادات العلمية، بل أصبحت أحد أهم مؤشرات التنافسية في الأنظمة الصحية الحديثة، ومحركا للاستثمار والابتكار والاقتصاد المعرفي.
وخلال العقدين الماضيين، تغيرت مكانة الأبحاث السريرية بصورة جوهرية. فبعد أن كانت تُنظر إليها بوصفها نشاطا أكاديميا يرافق الرعاية الصحية، أصبحت اليوم صناعة عالمية تتنافس عليها الدول والمؤسسات الصحية، لما تمثله من قيمة علمية وصحية واقتصادية في آنٍ واحد.
ولم تعد المستشفيات العالمية تتنافس على جودة الرعاية الصحية فقط، بل على قدرتها على استقطاب التجارب السريرية. فالمؤسسة التي تنجح في جذب الدراسات الكبرى لا تستقطب تمويلا بحثيا فحسب، بل تجذب المعرفة، والخبرات، والشراكات، والاستثمار، وتصبح جزءا من دورة عالمية لإنتاج العلاجات والتقنيات الصحية الجديدة.
ولا يقتصر اقتصاد الأبحاث السريرية على قيمة العقود البحثية، بل يمتد أثره إلى تطوير البنية التحتية، وتأهيل الكفاءات، ونقل المعرفة، وتحفيز الصناعات الدوائية والحيوية، وخلق وظائف نوعية، وتعزيز الابتكار، وتمكين المرضى من الوصول المبكر إلى علاجات وتقنيات حديثة. ولهذا أصبحت الأبحاث السريرية استثمارا متعدد الأبعاد، يجمع بين الأثر الصحي والعلمي والاقتصادي في منظومة واحدة.
وفي المملكة العربية السعودية، تشهد منظومة الأبحاث السريرية تطورا متسارعا، مدعوما بإصلاحات تنظيمية، واستثمارات في البنية التحتية، وبرامج وطنية تستهدف تعزيز الابتكار والعلوم الصحية. وتمثل هذه المرحلة فرصة للانتقال من زيادة المشاركة في الأبحاث السريرية إلى بناء ميزة تنافسية وطنية في هذا المجال، تجعل المملكة وجهة مفضلة للدراسات السريرية الإقليمية والعالمية.
غير أن تحقيق هذه الميزة لا يعتمد على الإمكانات وحدها، بل على جاهزية المؤسسات الصحية. فسرعة اعتماد الدراسات، وكفاءة الحوكمة، وجودة البيانات، ومرونة التعاقد، وكفاءة فرق العمل، وتكامل المنصات الرقمية، أصبحت اليوم عوامل تحسم قرار رعاة الدراسات عند اختيار مواقع تنفيذ أبحاثهم.
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة تستدعي الانتقال من قياس النشاط البحثي إلى قياس القدرة التنافسية البحثية. فعدد الدراسات المنشورة، على أهميته، لا يكفي وحده للحكم على نضج المؤسسة. أما قدرتها على استقطاب التجارب السريرية، وإدارتها بكفاءة، وبناء شراكات طويلة الأمد، وتحويل نتائجها إلى ابتكار وقيمة اقتصادية، فهي مؤشرات تعكس جاهزية المؤسسة للمنافسة في الاقتصاد الصحي الحديث.
ولعل الوقت مناسب لطرح تصور جديد، يتمثل في إدراج مؤشرات مرتبطة بالأبحاث السريرية ضمن مؤشرات الأداء الاستراتيجية للمؤسسات الصحية، ليس بهدف زيادة عدد الدراسات فقط، بل لقياس جاهزية المؤسسة في مجالات الحوكمة، وسرعة التنفيذ، وجودة التشغيل، واستقطاب الشراكات، وتعظيم الأثر الصحي والاقتصادي للأبحاث. فكما نقيس جودة الرعاية وسلامة المرضى والكفاءة التشغيلية، يمكن أن نقيس أيضا القدرة على إنتاج المعرفة واستقطاب الاستثمار البحثي.
إن بناء اقتصاد قوي للأبحاث السريرية لا يعني زيادة النشاط البحثي فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تجعل المستشفى شريكا في تطوير علاجات المستقبل، ومركزا لاستقطاب الاستثمار، وحاضنة للابتكار، ومصدرا للقيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
فالمؤسسات التي ستقود المرحلة المقبلة لن تكون الأكثر إنفاقا على البحث العلمي، بل الأكثر قدرة على تحويل الأبحاث السريرية إلى ميزة تنافسية مستدامة. وعندما تصبح الأبحاث السريرية جزءا من استراتيجية المؤسسة، وليست نشاطا موازنا لها، فإنها لن تصنع معرفةً جديدة فحسب، بل ستصنع قيمة اقتصادية وصحية تستمر آثارها لسنوات، وتسهم في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزا عالميا للابتكار والعلوم الصحية.
* استشاري جراحة المسالك البولية وأمراض الذكورة والعقم بمدينة الملك عبدالله الطبية


