Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

الذاكرة لا تحتفظ إلا بما يستحق أنْ يُتذكَّر

A A
من أكثر المفارقات حضورًا في الحياة، أنَّ الفراغ الداخلي لا يبقى ساكنًا، وإنَّما يبحث دائمًا عن وسيلة يختبئ خلفها، قد يجدها بعضهم في (المال)، وقد يجدها آخرُون في (الشُّهرة)، وقد يفتِّش غيرُهم عن لقب يسبق اسمه، أو منصب يُقدَّم به في كلِّ مجلس، ظنًّا أنَّ القيمة يمكن أنْ تُكتسب من الخارج، وأنَّ احترام النَّاس يُصنع ببطاقة تعريف أو مقعد إداريٍّ.
الإنسانُ الواثقُ من نفسه لا يحتاج إلى أنْ يذكِّر الآخرِين بقيمته في كلِّ مناسبة؛ لأنَّ حضوره يسبقه عمله، ويشهد له أثره، وتقدِّمه منجزاته، أمَّا مَن يعيش قلقًا داخليًّا مستمرًّا، فإنَّه يرهق نفسه بالبحث عن أيِّ وسيلة تمنحه شعورًا مؤقتًا بالأهميَّة! تبدأ أحيانًا بترويقة مكتب تُقدَّم قبل اسمه، وقد تنتهي بلقب يتشبَّث به أكثر من تشبُّثه بعمله لذلك نرى بعض الأشخاص يلتصقُون بالألقاب أكثر من التصاقهم بالمحتوى، ويحرصون على المظاهر أكثر من حرصهم على الجوهر؛ لأنَّ اللقب بالنسبة إليهم ليس تعريفًا علميًّا أو وظيفيًّا، وإنَّما وسيلة لتعويض شعور يفتقدُونَه في أعماقهم.
ومن اللَّافت أنَّ صاحب الثقة الحقيقيَّة لا يشغل باله كثيرًا بطريقة تقديمه، ولا بعدد الألقاب التي تسبق اسمه؛ لأنَّه يدرك أنَّ الناس ستتعرف إليه من خلال عمله، أمَّا مَن يعيش «هاجس الصورة» أمام الآخرين، فإنَّه يدخل في سباق لا نهاية له، يبحث عن كل ما يمنحه إحساسًا بالتفوُّق، ويظن أنَّ اتِّساع المُسمَّى يعني اتِّساع القيمة! فاللَّقب يعرِّف بالموقع، أمَّا الذاكرة فلا تحتفظ إلَّا بما يستحق أنْ يُتذكَّر.
وليس غريبًا بعد ذلك أنْ تنشغل بعض الإدارات بصناعة الأشخاص أكثر من صناعة الإنجازات، تتضخَّم التفاصيل المرتبطة بالمكانة، ويصبح الاقترابُ من صاحب المنصب مكسبًا عند البعض، بينما تتراجع قيمة الفكرة، ويبتعد أصحابُ الكفاءة إذا لم يجيدُوا «فن الظهور»، وفي بيئات كهذه يتغيَّر ميزانُ التقدير، فلا يعود السؤال: ماذا أنجز؟ وإنَّما: مَن يكون؟
المشكلة لا تتوقَّف عند حدود الشَّخص نفسه، وإنِّما تمتدُّ إلى المؤسسات، فإذا تحوَّل المنصب إلى وسيلةٍ لإشباع الاحتياج النفسيِّ، تبدَّلت الأولويات، ويغدو البحث عن التصفيق أكثر حضورًا من البحث عن النتائج، يُدار العمل وفق ما يمنح «المتسلِّق» مساحة أكبر للظهور، لا وفق ما يخدم المصلحة العامَّة.
لهذا السَّبب تتراجع بعض المنجزات، رغم وفرة العقول وأصحاب الخبرات، فالمؤسسات لا تنهض بكثرة أصحاب الألقاب، وإنَّما بمن يدرك أنَّ المنصب مسؤولية قبل أنْ يكون امتيازًا، وأنَّ الكرسي وسيلة لخدمة الآخرين، لا منصَّة لإثبات الذات، وكلَّما ازداد الارتباط بالمسمَّيات، تقلَّصت مساحة العمل الحقيقي، وازدادت مساحة الاهتمام بالصورة على حساب المضمون.
التاريخ الإداري والمهني يخبرنا أنَّ كثيرًا من الأسماء بقيت حاضرةً بعد مغادرة المناصب بسنواتٍ طويلة؛ لأنَّ النَّاس حفظُوا أثرها، ولم يحفظُوا مسمَّياتها وفي المقابل، غابت أسماء كثيرة فور انتهاء تكليفها؛ لأنَّ كل ما كانت تملكه هو المنصب نفسه، وما إنْ غادرته حتى اختفى كل ما ارتبط به.
القيمة الحقيقيَّة لا تُمنح بقرار، ولا تُكتب في بطاقة عمل، ولا يضيفها لقب مهما ارتفع، فالأسماء التي تقف على أقدامها لا تبحث عمَّا يحملها على الأكتاف، ولا تستعير من المناصب وزنًا لم تستطع أنْ تصنعه بنفسها، وما يبقى في ذاكرة النَّاس ليس ما سبق الاسم، وإنَّما ما أضافه الاسمُ إلى مكانه.
لهذا أؤمن أنَّ أخطر أنواع الفراغ هو أنْ يبحث الإنسان عن قيمته في كلِّ شيءٍ، إلَّا في نفسه، يبدأ الطريق بلقب، ثمَّ بمنصب، ثمَّ بمكانة، ثمَّ بسلسلة طويلة من المظاهر التي لا تنتهي، بينما يبقى السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه: ماذا يبقى منك إذا سقطت كل هذه المُسمَّيات؟
في تلك اللحظة فقط، يكتشف الإنسان أنَّ المكانة التي يمنحها المنصبُ مؤقتة، أمَّا المكانة التي يصنعها الأثر فتبقى؛ لأنَّها تسكن ذاكرة النَّاس، ولا ترتبط بباب مكتب، ولا بلوحة تحمل اسمًا، ولا بكرسيٍّ ينتقل من شخص إلى آخر.
* نقطة تحت السطر:
المنصبُ يعرِّف موقعَكَ، أمَّا الأثرُ فيعرِّف مَن تكون، وما يسقطُ معَ الكرسيِّ لمْ يكنٍْ يومًا جزءًا من الإنسانِ.
@Idrees2030E
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store