Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الشريك الأدبي.. 5 مواسم أعادت الأدب إلى قلب المجتمع

خليل إبراهيم القريبي

A A
مساء الجمعة الماضية، اختتمت هيئةُ الأدب والنَّشر والتّرجمة النُّسخة الخامسة من مبادرة «الشَّريك الأدبي»، في حفلٍ احتفى بالشُّركاء الذين أسهمُوا في تحويل الأدب إلى تجربةٍ مجتمعيَّةٍ تتوزَّع على مدن المملكة، ومساحاتها الثقافيَّة. جاء الحفلُ تتويجًا لمسيرة امتدَّت خمسة أعوام، رسَّخت حضور الأدب في الحياة العامَّة، وقدَّمت نموذجًا وطنيًّا يقوم على الشَّراكة بين القطاعَين الخاصِّ وغير الربحيِّ، ويواكب مستهدَفات رُؤية 2030 في تنمية القطاع الثقافيِّ.
ارتباطات العملُ حالت دون تمكُّنِي من حضور الحفل الختاميِّ، رغم رغبتي الصَّادقة في المشاركة، ومتابعة هذه المناسبة الثقافيَّة عن قُرب، فاكتفيتُ بمتابعة التغطيات الإعلاميَّة، وما نشرته الهيئةُ -عبر منصَّاتها- حيث بدت الصُّورة واضحةً، مشروع ثقافي يواصل النموَّ عامًا بعد عامٍ، ويضيفُ في كلِّ نسخةٍ مساحةً جديدةً للحضور والتَّأثير.
قيمةُ «الشَّريك الأدبي» تجاوزت عدد الفعاليَّات، أو حجم الجوائز، فالمبادرة نجحت في بناء نموذجٍ مختلفٍ للعمل الثقافيِّ، الأدبُ انتقلَ إلى المقاهي، والمكتباتِ، والمساحاتِ الإبداعيَّة، وأنديةِ الهواة، والجمعيَّات؛ ليصبح جزءًا من تفاصيل الحياةِ اليوميَّة. هذا التحوُّل أسهمَ في تقريب الكاتبِ من القارئِ، ومنح المبادرات المحليَّة مساحةً أوسعَ للظهور، وفتح المجال أمام مواهب جديدة لتقديم تجاربها أمام جمهور متنوِّعٍ. إنَّ الأرقام التي استعرضتهَا الهيئةُ عكست اتِّساع أثر المبادرة عامًا بعد عامٍ، فقد بلغ عدد الشُّركاء الأدبيِّين 220 شريكًا، في الوقت الذي سجَّلت فيه المبادرة آلاف الجلسات والفعاليَّات، ووصلت إلى مئات الآلاف من المستفيدِين، هذه المؤشِّرات كشفت عن مشروعٍ ثقافيٍّ نجح في بناء شبكةٍ واسعةٍ من الشَّراكات، وصناعة أثرٍ متراكمٍ تجاوز حدود الفعاليَّة الواحدة؛ ليصبح الأدبُ جزءًا أصيلًا من المشهدِ الثقافيِّ السعوديِّ.
ولعلَّ أبرز ما ميَّز الموسم الخامس، اتَّساع مسارات المبادرة، في خطوةٍ تعكس نضجَ التجربة وتطوُّرها، إذ أصبحت المشاركةُ أكثرَ رحابةً، واستوعبت شرائح متنوِّعة عبر مسار المقاهي، ومسار أنديةِ الهواة الثقافيَّة، ومسار المساحات المشتركة، ومسار الجمعيَّات، ومسار دور النَّشر، وهو تنوُّع منح كلَّ جهةٍ فرصةً للإسهام وفق طبيعة نشاطها، وأسهم في وصول الأدب إلى بيئات جديدة، وتعزيز المشاركة المجتمعيَّة في الأنشطة الأدبيَّة. وامتدَّ هذا التنوُّع إلى فئات التَّكريم أيضًا، عبر جوائز احتفت بجوانب متعدِّدة من العمل الثقافيِّ، مثل أفضل ظهورٍ إعلاميٍّ، وأفضل فعاليَّة بتصويتِ الجمهور، وأفضل ممثِّل لثقافة المنطقة، وأفضل مساهمة مبتكرة، وهذه الفئات تؤكِّد أنَّ نجاح المبادرة يصنعُه الكاتبُ، والمنظِّمُ، والشَّريكُ، والإعلاميُّ، والجمهورُ، وكلُّ صاحب فكرة تضيف قيمةً إلى المشهد الثقافيِّ. وخلال الأعوام الماضية، أثبتت هيئةُ الأدب والنَّشر والترجمة قدرتهَا على بناء مبادرات تمتلك الاستمراريَّة، وتحقِّق أثرًا متناميًا مع كلِّ نسخة جديدة، وقدَّم «الشَّريك الأدبي» مثالًا واضحًا على مشروع ثقافيٍّ يرسِّخ مكانة الأدب في المجتمع، ويمنح المؤسَّسات والأفراد فرصةً حقيقيَّة للإسهام في صناعة الحِراك الثقافيِّ المحليِّ.
ومع هذا النجاح المُتصاعد، أجدُ أنَّ المبادرة تمتلكُ مساحةً رحبةً لإضافة مساراتٍ جديدة في مواسمها المقبلة، ومن بين الأفكار التي تستحقُّ الدِّراسة -في نظري- استحداث مسارٍ للمطبوعات الإعلاميَّة، بالشَّراكة بين هيئتَي الأدب، وتنظيم الإعلام، يفتح الباب أمام المقاهي الثقافيَّة، والصَّوالين الأدبيَّة، والأندية الثقافيَّة، والجمعيَّات، لإصدار صُحفٍ ومجلاتٍ ونشراتٍ دوريَّة تُعنَى بمبادرات «الشَّريك الأدبي»، وتوثِّق الفعاليَّات، وتنشر الحوارات والقراءات الأدبيَّة، وتسلِّط الضوء على المواهب والتجارب المُلهمة. مثل هذا المسار يضيفُ بُعدًا معرفيًّا وتوثيقيًّا للمبادرة، ويمنح الشركاء فرصةً لإنتاج محتوى ثقافيٍّ يبقى أثرُه بعد انتهاء الموسم، ويعزِّز حضور الأدب في المجتمع على مدار العام.
ختامًا، لقد نجحت مبادرة «الشَّريك الأدبي» في بناء شراكات صنعت حراكًا ثقافيًّا متجدِّدًا، ويبقى الرِّهانُ في المواسم المقبلة على توسيع دائرة الشركاء، حتى يجد كلُّ صاحب فكرة، وكلُّ منصَّة ثقافيَّة، وكلُّ وسيلةٍ إعلاميَّةٍ، مساحةً للإسهام في هذا المشروع الوطنيِّ، فالمبادرات الثقافيَّة الكُبرى تواصل نموَّها عبر الشَّراكات، وتتَّسع قيمتها مع كلِّ فكرة جديدة، وكل تجربة مُلهمة، وكل شريكٍ يؤمن بأنَّ الأدب يصنع أثرًا يمتدُّ إلى المجتمع بأكمله.
مستشار إعلامي
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store