حين يطلق الحكم صافرة النهاية في كأس العالم، يظن كثيرون أن البطولة قد انتهت. لكنها في الحقيقة تبدأ عند أمم أخرى. تبدأ في غرف الاجتماعات، في مراكز الدراسات، في دفاتر الملاحظات، حيث لا يُنظر إلى الهزيمة بوصفها عثرة، ولكن بوصفها مادة خاماً لصناعة المستقبل. وهنا يجب أن يبدأ حديثنا نحن.
فالمنتخب السعودي لا ينقصه حب وطن أو دعم دولة، ولا ينقصه جمهور يملأ المدرجات أملاً قبل أن يملأها حضوراً. ما ينقصنا هو أن نحوّل كل مشاركة إلى معرفة، كل إخفاق إلى مشروع إصلاح، كل بطولة إلى مختبر نتعلم فيه أكثر مما نحتفل أو نحزن.
ليس مؤلماً أن تخسر مباراة، فهذه سنة الرياضة، ولكن المؤلم أن تتكرر الأسئلة نفسها بعد كل بطولة أن نُغيّر المدرب، ثم الإدارة، ثم اللاعبين، ثم نعود بعد أعوام لنقف في المكان ذاته، وكأن الزمن كان يدور حولنا لا معنا. فمنذ ما يقارب ثلاثة عقود، تعاقبت الأسماء، وتبدلت الوجوه، بينما بقيت النتيجة تبحث عن ذلك التحول الحقيقي الذي لم يأتِ بعد.
ولعل الخطأ الأكبر أننا اعتدنا أن نفتش عن شخص نحمله مسؤولية الخسارة، بينما الحقيقة أن المنتخبات الكبرى لا تنتصر بالأفراد، وإنما بالمنظومات. فالمنظومة هي التي تُنتج المدرب، وتصنع اللاعب، وتحمي المشروع من أن يسقط برحيل اسم أو قدوم آخر.
انظروا إلى اليابان؛ لم تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها بين كبار العالم، بل زرعت بصبر، وخططت لعقود، وربطت مدارسها الكروية بمنتخباتها الوطنية، حتى أصبح النجاح نتيجة طبيعية لا مفاجأة عابرة. وإسبانيا لم تكن معجزة جيل، بل ثمرة فلسفة بقيت ثابتة حتى عندما تغيرت الوجوه. أما المغرب، فقد أثبت أن الحلم العربي ليس مستحيلاً متى ما اجتمع التخطيط مع الكفاءة والإيمان بالمشروع.
وتؤكد دراسات الإدارة الرياضية الحديثة أن المؤسسات الناجحة لا تُقاس بعدد انتصاراتها فقط، بل بسرعة تعلمها من أخطائها، وأن المنظمات التي تمتلك ثقافة التعلم المستمر هي الأكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة. هذه ليست شعارات، بل حقائق أثبتتها علوم الإدارة والتطوير المؤسسي، منذ أن رسّخ بيتر سينج مفهوم "المنظمة المتعلمة"، التي ترى في كل تجربة فرصة لإعادة البناء لا مناسبة لتبادل الاتهامات.
ومن هنا، فإن ما بعد كأس العالم يجب ألا يكون مؤتمراً صحفياً يشرح ما حدث، بل بداية مشروع وطني يمتد لعشر سنوات على الأقل. مشروع يبدأ بتحليل علمي دقيق لكل تفصيل، ومقارنة أنفسنا بأفضل التجارب العالمية، ثم تحويل تلك المعرفة إلى مؤشرات أداء، وأهداف مرحلية، ومراجعات سنوية، بحيث يصبح التطور عادة مؤسسية، لا ردة فعل مؤقتة.
ولأننا في المملكة العربية السعودية، فإن سقف الطموح لا يعرف الاكتفاء. هذه بلاد اعتادت أن تجعل المستحيل موعداً جديداً للإنجاز؛ في الاقتصاد، وفي الصناعة، وفي التقنية، وفي الفضاء، وفي كل ميدان قررت أن تخوضه. وليس من المنطق أن تبقى كرة القدم استثناءً في وطن أصبح النجاح فيه ثقافة، لا صدفة.
الجمهور السعودي لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن انتصار عابر ينساه بعد أشهر. ما يريده هو أن يرى مشروعاً ينمو كما تنمو الأوطان، وهويةً تتطور كما تتطور الأحلام، ومنتخباً إذا خسر اليوم، شعر الجميع أن خسارته خطوة في طريق انتصار أكبر، لا بداية دورة جديدة من الوعود.
فكأس العالم لا يكشف مستوى المنتخبات فحسب بل يكشف أيضاً مستوى أحلامها. والأمم العظيمة ليست تلك التي لا تتعثر، وإنما تلك التي تعرف كيف تجعل من كل تعثرٍ درجةً أخرى في سلّم المجد.


