Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

العلاقات الشخصية.. مساحة للطمأنينة أم ساحة للأذى؟

A A
تبدُو العلاقات الشخصيَّة، مهما اشتدَّ عودها، وقويت أواصرها، وكأنَّها تعود غريبةً كما بدأت؛ إذ يظل الإنسانُ عابرًا في حياة الآخرين. من هنا، تبرز مهارة خفيَّة لكنَّها حاسمة: معرفة متى ينبغي الانسحاب؟ ومتى يصبح الفكاكُ ضرورةً لا خيارًا؟
في قلب هذه العلاقات يكمن قلقٌ دفينٌ؛ فنحن لا نعلمُ متى تنكشف اضطرابات النَّفس العميقة، أو تتجلَّى عُقَدها الخفيَّة لدى من نثق بهم. هذا الغموض يجعل الانخراط الإنساني مغامرةً محفوفةً باحتمالات مؤلمة. ومع ذلك، لا مفرَّ من التجربة، فنحن نشتهي القرب ونندفع نحوه، ثمَّ نتعلَّم -غالبًا بعد الأذى- أنْ نضيِّق دوائرنا، وننتقِي علاقات أكثر أمانًا وأقل استنزافًا، في حال كنَّا محظوظِينَ بما يكفي!.
العلاقة الحميميَّة ليست ترفًا عاطفيًّا، بل حاجة وجوديَّة؛ إذ لا قيمة لها إنْ لم تكن موئلًا للأمان، ومصدرًا للسكينة والثقة المتبادلة. غير أنَّ المفارقة المؤلمة تكمن في أنَّ أقرب النَّاس إلينا هم الأقدر على إيذائنا؛ لأنَّنا نكون أمامهم مكشوفِين، منزوعِي الدفاعات، نمنحهم -بكلِّ سذاجةٍ- مفاتيح هشاشتنا دون شروط. تقول الشَّاعرة (كليمنتين راديكس): «إنَّه لأمرٌ غريبٌ جدًّا، لقدْ كنتَ تحبُّنِي، والآنَ أنتَ مجرَّد غريبٍ يحملُ كلَّ أسرارِي».
العلاقات، في طبيعتها، أشبه بذرَّات متنافرة، تتَّحد مؤقتًا؛ لتشكِّل مركَّبات غير مستقرَّة، سرعان ما تتبدَّل وتتفكَّك تحت تأثير عوامل نفسيَّة واجتماعيَّة معقَّدة. فالإنسانُ نفسه كائنٌ غير مستقر، فكيف بعلاقة تنشأ بين كائنَين متقلِّبَين؟.
في زمن ما بعد الحداثة، تتفاقم هذه المعضلة، إذ تدفعُ النزعة الفردانيَّة نحو تقليص الروابط الاجتماعيَّة، بينما يظلُّ الحنين إلى المعيَّة والاتِِّصال بالآخر قائمًا. ومن ثمَّ ينشأ وعي مزدوج يتوزَّع بين الخوف من الآخر، والحاجة إليه، الأمر الذي يفسِّر انتشار «قلق العلاقات»، حيث يتأرجح الفردُ بين الاقتراب والانسحاب.
إنَّ الحبَّ، حين يكون صحيًّا، يمنح الإنسان عزاءً وجوديًّا فريدًا؛ إذ يخفِّف من وطأة الوعي بالذَّات، ويهبه دفء المعيَّة، ويعيد إليه شيئًا من توازنه المفقود. فالمرءُ يستحق علاقة تُنزِل على قلبه السكينة، وتمنحه نومًا هادئًا بلا اضطرابٍ؛ علاقة لا يرافقها خوفٌ من سوء الفهم والظَّن، ولا هاجس الفقد والغياب، بل يكون فيها حضور الشَّريك مصدر طمأنينة، ليس قلقًا ولا ارتيابًا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store