Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

حتى لا تفقد كلمة «رمز».. قيمتها

A A
أصبحت كلمة «رمز» من أكثر الكلمات تداولًا في الخطاب الثقافيِّ والإعلاميِّ، والرياضيِّ والاجتماعيِّ، حتَّى فقدت شيئًا فشيئًا جزءًا من دلالتها وهيبتها، فما إنْ يبرز اسمٌ في مجالٍ ما، حتَّى يُوصف بأنَّه «رمزٌ»، وكأنَّ اللَّقب أصبح يُمنح بسخاءٍ، بعد أنْ كان لا يُطلق إلَّا على قلَّة صنعت فارقًا حقيقيًّا في تاريخ تخصُّصها ومجالها.
في الأصل، لم تكن كلمة «رمز» مجرد لقب للتكريم، أو المجاملة، بل كانت وصفًا استثنائيًّا لمن أحدث أثرًا يتجاوز ذاته، وأضاف إلى مجال عمله وتخصصه إضافة نوعية، وترك بصمة يصعب تجاوزها.. المشكلة، أنَّ هذا المفهوم بدأ يتآكل مع مرور الوقت بعدما حلَّت معايير أُخرى محل معيار الإنجاز الحقيقيِّ، ومن أكثر تلك المعايير شيوعًا، الاعتقاد بأنَّ طول البقاء في المجال أو المنصب كافٍ لمنح صاحبه هذه الصِّفة. ولا شكَّ أنَّ الخبرة المتراكمة تستحقُّ الاحترام والتقدير، لكنَّها لا تكفي وحدها لصناعة الرمزيَّة، فالزَّمنُ يمكن أنْ يصنع الخبرة، لكنَّه لا يصنع الرَّمز، فالعبرةُ هي بما ينجزُه الإنسانُ خلال تلك السنوات، لا عدد السنوات نفسها.
كما يُلاحظ أنَّ الضجيج الإعلاميَّ أصبح طريقًا مختصرًا إلى هذا اللَّقب، فبعض الأشخاص ينجحُون في صناعة هالات وفرقعات إعلاميَّة متكرِّرة حول أنفسهم، تجعل البعض الآخر يظنُّ أنَّ ذلك يعني أثرًا عميقًا. والحقيقة أنَّ الإعلام قد يصنع شهرةً، لكنَّه لا يصنع بالضرورة إنجازًا، والفرقُ كبيرٌ بين مَن يشغل المشهد لفترة، ومَن يغيِّر مسار المجال لعقودٍ، ويسهم في رفعته وتطوُّره.
وهناك معيارٌ ثالثٌ لا يقلُّ تضليلًا، يتمثَّل في العلاقات الشخصيَّة وشبكات المصالح، ففي بعض الدوائر المهنيَّة أصبح لقب «رمز» يتداول بين الزملاء والمعارف، وأعضاء الشلَّة، لأهدافٍ مختلفة لا علاقة لها بقيمة الإنجاز.. ومع تكرار ذلك، تتَّسع دائرة «الرموز» إلى الحدِّ الذي يضيع معه أصحاب الاستحقاق الحقيقي؛ وسط سيلٍ من الأسماء التي لا تملك أيَّ رصيدٍ حقيقيٍّ فعليٍّ من الإنجازات.
إنَّ المشكلة ليست في تكريم الأشخاص ومجاملتهم، فالتقدير قيمةٌ نبيلةٌ، وليس كل صاحب تجربة طويلة أو حضور مؤثِّر بعيدًا عن الاحترام والتقدير المستحق. لكنَّ التكريم والمجاملة شيءٌ، والرمزيَّة شيءٌ آخرُ، فليس كل وجيه، وذو مكانة اجتماعيَّة رمزًا، وليس كلُّ مشهور رمزًا، وليس كلُّ من أمضى عقودًا من عمره في مجال ومهنة معيَّنة رمزًا في ذلك المجال وتلك المهنة، فالرمزيَّة مرتبة استثنائيَّة لا تُنال إلَّا بإنجازٍ استثنائيٍّ واضحٍ ومحدَّد.
إنَّ المجتمعات التي تحترم الإنجاز تحرص أيضًا على احترام مصطلحاتها؛ لأنَّها تدرك أنَّ قيمة الألقاب تأتي من صعوبة استحقاقها، لا من سهولة منحها. ولذلك فإنَّ تحرير مفهوم «الرمز» لم يعد مجرَّد قضيَّة لغويَّة، بل أصبح ضرورةً ثقافيَّةً، حتى لا تفقد الكلمةُ معناها، ولا يضيع أصحابُ الإنجازات الحقيقيَّة بين ألقابٍ تُوزَّع بلا معايير واضحة.
ولعلَّ كلمة «رمز» ليست سوى واحدةٍ من مصطلحات كثيرة تحتاج إلى مراجعة وتحرير، فهناك أيضًا أوصاف مثل المفكِّر، والخبير، والمرجع، والأسطورة، وهي جميعًا كلماتٌ كبيرةٌ ينبغي أنْ تبقى مرتبطةً بمعيارٍ واحدٍ لا يتغيَّر، وهو الإنجاز الحقيقي والأثر المستدام.. فحين تستعيد الكلمات معانيها، تستعيد الإنجازات قيمتها، ويصبح لكلِّ لقب وزنه، ولكل مكانة مستحقها الحقيقي وليس المصطنع.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store