
الإمارةُ ليست سطوةً وجبروتًا.. والأميرُ ليس مَن يبطش ويتجاهل النَّاس، ويتعالى عليهم، كما يظنُّ البعض من العوام.. وعبر الأزمنة المتلاحقة، كَتبَ لنا التاريخُ قصصًا لأمراء كانوا في قمَّة الإنسانيَّة والتواضع، وهم بقوَّتهم يستطيعون قلب موازين كل حدث.. لكنَّ الأمير حين يخرج من بيت الإمارة، تشعُّ دواخله بكتل الإنسانيَّة والأخلاق والأحاسيس، التي تُرغمك على احترامه. فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، الإنسانُ قبل الإمارة.. ومرهفُ الأحاسيس قبيل الإدارة، وهو ليس بحاجةٍ لمَن يكتب عنه، فقد سبقت أفعالُه أقوالَه..
صغيرةٌ هذه الدنيا بكلِّ تفاصيلها.. وبكلِّ تقلُّباتها.. بالأمس نضحكُ ونستطعمُ لذَّة دعوات الوالدين في كلِّ تفاصيل حياتنا، وفجأةً يرحلون بلا مقدِّمات.. هناك أرواحٌ من البشر نعجزُ عن وصفها.. وتتلعثمُ كلُّ مخارج الحروف في أفواهنا؛ بحثًا عن سمة جميلة تُقال في حقِّهم؛ لتبقى أصواتهم تشنِّفها الآذان بعد رحيلهم.. ماتت أم عبدالله بن عبدالعزيز الوكيل الشريف.. هي ليست أُمَّه لوحده، بل أُمِّي أيضًا.. أُمِّي بعد أُمِّي التي أنجبتني ورحلتْ قبلها بعدَّة أعوام.. أُمِّي الثَّانية؛ لأنَّني وجدتُ في نبرات صوتها
تموج بنا هذه الفانية بين صفحاتها، تفتح لنا سجلات جديدة، وتطوي أُخرى.. مؤلمة هذه الحياة بكل تفاصيلها، لكنَّنا نتوارى خلف برزخ نستشعره ولا نراه.. بالأمس فقدنا زميلًا عزيزًا على نفوسنا نحن «مجتمع مهنة المتاعب»، تلكم المهنة التي يعتقد البعض أنَّها مهنة أرستقراطيَّة، يملك أصحابها الجاه والمال، والواقع أنَّها لا تمثِّل كل ذلك مطلقًا؛ لأنَّها تحوي جل الأمراض والتعب والضغوطات النفسيَّة.. خاصَّة لمَن يعمل في الميدان.. وأجزم أنَّ الكثير منا أصحاب المهنة مصاب بعلل كثيرة، أوَّلها.. السكر والضغط، يتبعها