أخيرة

جيل جديد يخطو يوم الأحد أولى خطواته نحو المجد.. فماذا أعددنا له؟

جيل جديد يخطو يوم الأحد أولى خطواته نحو المجد.. فماذا أعددنا له؟
تستقبل المدارس يوم الأحد جيلاً جديداً يتجه إلى مقاعد الدراسة، حاملاً أحلامه الصغيرة وطموحاته الكبيرة، ليبدأ رحلة طويلة في عالم التعليم، ويخطو أولى خطواته على سلم العلم والمعرفة، في مرحلة ستظل تفاصيلها راسخة في ذاكرته لسنوات طويلة.
ومع عودة المدارس، لا ينبغي أن ينحصر الاستعداد في تجهيز المباني والفصول والمناهج والجداول الدراسية، فهناك جانب أكثر أهمية يتعلق بالإنسان نفسه؛ بالطفل الذي سيدخل المدرسة للمرة الأولى، وبالطفل الذي لم تتح له فرصة كافية لخوض تجربة الروضة، أو مر بها مروراً سريعاً دون أن يحصل على التأسيس الاجتماعي والسلوكي والنفسي الذي يساعده على الانتقال بسهولة إلى الحياة المدرسية.

وهنا تبرز مسؤولية المدارس والمعلمين والأسر في التعامل مع هذه الفئة بصورة مختلفة خلال الأيام الأولى، لأن الطفل في هذه المرحلة لا يحتاج فقط إلى أن يعرف الحروف والأرقام، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى أن يعرف المكان الذي سيقضي فيه جزءاً كبيراً من يومه، وأن يتعرف على معلمه، ويكوّن صداقات مع زملائه، ويفهم تفاصيل اليوم الدراسي، ويشعر بالأمان والطمأنينة بعيداً عن أسرته.
فالانتقال من المنزل إلى المدرسة ليس انتقالاً مكانياً فحسب، بل هو انتقال كامل في نمط الحياة. طفل اعتاد على وجود والديه وأسرته حوله، وعلى اللعب والحركة وفق رغبته، يجد نفسه فجأة أمام وقت محدد للحضور والانصراف، ومقعد دراسي، وفصل، ومعلم، وزملاء، وتعليمات، وواجبات، ونظام جديد يحتاج إلى وقت حتى يعتاده.

وتزداد أهمية هذا الأمر عندما نتحدث عن جيل عاش سنواته الأولى في ظل ظروف استثنائية فرضتها جائحة كورونا، وهي مرحلة ألقت بظلالها على تفاصيل الحياة الاجتماعية والتعليمية، وأثرت في أنماط التواصل والتفاعل والحركة لدى الأطفال في تلك السنوات.
وقد أطلق البعض على هؤلاء الأطفال وصف «جيل الكمامات»، لكن مثل هذه التسميات ينبغي ألا تتحول إلى أحكام مسبقة على قدراتهم أو شخصياتهم أو مستوى استعدادهم للتعلم. فهؤلاء الأطفال لم يختاروا الظروف التي ولدوا أو نشأوا فيها، وإنما عاشوا مرحلة استثنائية مثل غيرهم، وما يحتاجونه اليوم هو أن نفهم خصوصية تجربتهم، وأن نمنحهم ما يساعدهم على تجاوز أي آثار محتملة لتلك المرحلة.
ومن هنا، فإن الأسبوع الأول من الدراسة يمكن أن يكون فرصة تربوية مهمة لإعادة تعريف الطفل بالمدرسة، وليس مجرد بداية لتطبيق المنهج الدراسي بصورة كاملة منذ اليوم الأول.

فلماذا لا يكون الأسبوع الأول التمهيدي أسبوعاً للتهيئة والاندماج وبناء العلاقة بين الطالب والمدرسة؟
ولماذا لا تُخصص خلال الأيام الأولى حصص وأنشطة ترفيهية وحركية، بعيداً عن ضغط المنهج، يتعرف خلالها الطلاب على مرافق المدرسة، ومعلميهم، وزملائهم، ويتعلمون بصورة مبسطة كيف يصطفون، وكيف يدخلون الفصل، وكيف يتعاملون مع وقت الفسحة، وكيف يطلبون المساعدة، وكيف يحافظون على أدواتهم وممتلكاتهم؟
إن مثل هذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة للكبار، تمثل بالنسبة للطفل الجديد عالماً كاملاً يحتاج إلى الاكتشاف.
وقد يكون من المفيد أن تتضمن الأيام الثلاثة الأولى على الأقل، أو الأسبوع الدراسي الأول كاملاً، برامج تهيئة مناسبة لأعمار الطلاب، تجمع بين الترفيه والتعلم، وتمنح الطفل فرصة للتعبير عن نفسه، والحديث، واللعب، والرسم، والمشاركة في الأنشطة الجماعية، دون أن يشعر منذ اللحظة الأولى بأن المدرسة مكان مليء بالتعليمات والواجبات والاختبارات.
فالطفل الذي يخرج من المدرسة في يومه الأول وهو يحمل ذكرى جميلة، ويحدث أسرته بحماس عن معلمه وزملائه وما شاهده من أنشطة، سيكون أكثر استعداداً للعودة في اليوم التالي. أما الطفل الذي يخرج منها خائفاً أو مرتبكاً أو يشعر بأنه فشل في فهم النظام الجديد، فقد يبدأ في تكوين صورة سلبية عن المدرسة قبل أن تبدأ رحلته التعليمية فعلياً.
ومن المهم كذلك أن يدرك المعلم أن التعامل مع طلاب الصفوف الأولى لا يمكن أن يكون نسخة مصغرة من التعامل مع المراحل الدراسية الأكبر. فالطفل في هذه السن يحتاج إلى الصبر والتكرار والتشجيع، ويحتاج إلى معلم يستطيع أن يقرأ مشاعره قبل أن يقرأ أداءه الدراسي.
وقد يكون الطالب الذي يرفض الجلوس في مكانه أو يبكي عند مغادرة والديه أو يتردد في المشاركة لا يعاني مشكلة تعليمية، وإنما يمر بمرحلة طبيعية من مراحل التكيف. وهنا يأتي دور المعلم في احتوائه، لا في الحكم عليه، ودور المدرسة في دعمه، لا في استعجال النتائج.
كما يجب ألا تُقاس نجاحات الأيام الأولى بالتحصيل الدراسي وحده. فالنجاح الحقيقي في البداية هو أن يدخل الطفل المدرسة دون خوف، وأن يعرف طريقه إلى فصله، وأن يتعرف على معلمه، وأن يكوّن علاقة إيجابية مع زملائه، وأن يشعر بأنه جزء من المكان.
ومن الجوانب المهمة أيضاً متابعة الطلاب الذين يتخلفون عن الحضور خلال الأسبوع الأول. فالغياب المتكرر في هذه المرحلة يستحق التوقف عنده، خصوصاً إذا كان الطالب قد حضر يوماً أو يومين ثم بدأ في الانقطاع.
وقد يكون وراء الغياب خوف من المدرسة، أو رهبة من المعلم، أو صعوبة في الانفصال عن الأسرة، أو تجربة لم يستطع الطفل التعبير عنها، أو حتى مجرد عدم قدرته على التأقلم مع النظام الجديد.

وهنا يجب ألا يكون التعامل مع الغياب مجرد تسجيله في السجل، وإنما البحث عن سببه والتواصل مع الأسرة، وفهم حالة الطفل، وتقديم الحلول المناسبة. فربما يحتاج طفل إلى استقبال خاص في الصباح، وربما يحتاج آخر إلى وجود شخص مألوف بالقرب منه في الأيام الأولى، وربما يحتاج ثالث إلى وقت أطول حتى يعتاد على البيئة المدرسية.
كما أن الأسرة شريك أساسي في هذه المرحلة، ويجب أن تكون رسالتها للطفل مطمئنة وإيجابية. فمن الخطأ أن يُخيف بعض الآباء أبناءهم من المدرسة أو المعلم، أو يجعلوا الذهاب إلى المدرسة مرتبطاً بالعقاب والواجبات والخوف من الخطأ.
فالطفل يحتاج إلى أن يسمع من أسرته أن المدرسة مكان للتعلم واللعب والتعرف على الأصدقاء واكتشاف أشياء جديدة، وأن الخطأ في بداية الرحلة أمر طبيعي، وأن المعلم موجود لمساعدته وليس لتخويفه.
وفي المقابل، تحتاج المدرسة إلى طمأنة الأسرة أيضاً، وإشراكها في عملية التهيئة، وإطلاعها على مستوى تكيف أبنائها، خصوصاً في الأيام الأولى، حتى لا تتحول مخاوف الأسرة إلى قلق ينتقل بدوره إلى الطفل.
إن بناء العلاقة بين المدرسة والأسرة منذ اليوم الأول يمكن أن يكون أحد أهم عوامل نجاح المرحلة الانتقالية. فكلما كان التواصل واضحاً، أصبح من السهل اكتشاف أي صعوبة مبكراً ومعالجتها قبل أن تتفاقم.
ولعل من المناسب أن تتبنى المدارس خلال الأسبوع الأول برامج واضحة تستهدف بناء الألفة والانتماء، وأن تكون هناك مرونة في التعامل مع الأطفال، وتنوع في الأنشطة، ومساحة للحركة واللعب، وحصص ترفيهية وفنية ورياضية، إضافة إلى أنشطة جماعية تعزز التعاون والتعارف.
كما يمكن استثمار هذه الأيام في اكتشاف شخصية الطفل وميوله وقدراته، بعيداً عن التصنيف المبكر. فهناك طفل يتفاعل بسرعة، وآخر يفضل الصمت، وثالث يحتاج إلى وقت حتى يندمج، ورابع قد يمتلك موهبة في الرسم أو الرياضة أو الحديث أو العمل الجماعي.
والمدرسة الناجحة هي التي ترى هذه الفروق وتتعامل معها باعتبارها ثراءً، لا مشكلة.
إننا أمام جيل لا ينبغي أن نطالبه بالتكيف وحده، بل علينا أن نهيئ البيئة التي تساعده على التكيف. فالطفل لا يمكن أن نطالبه بأن يفهم كل شيء من اليوم الأول، كما لا يمكن أن نتوقع أن يتحول في أيام قليلة إلى طالب اعتاد النظام المدرسي بكل تفاصيله.
فنبدأ بالترحيب، ثم التعارف، ثم التهيئة، ثم بناء الروتين، ثم الانتقال تدريجياً إلى المتطلبات التعليمية، مع المحافظة على مساحة من المرح والحركة والتشجيع.
فالروتين المدرسي لا يولد في يوم واحد، وإنما يتشكل تدريجياً من خلال تكرار التجربة، ولذلك فإن منح الطفل فرصة كافية في البداية قد يوفر على المدرسة والأسرة كثيراً من المشكلات لاحقاً.
وإذا كانت المناهج والخطط الدراسية قد أُعدت بعناية، فإن خطة استقبال الطالب لا تقل أهمية عنها. لأن المنهج يصل إلى عقل الطالب، بينما التهيئة تصل أولاً إلى قلبه ومشاعره.
نحن لا نستقبل يوم الأحد مجرد دفعة جديدة من الطلاب، بل نستقبل جيلاً جديداً من أبنائنا وبناتنا، ونضع بين أيدينا مسؤولية تشكيل علاقتهم الأولى بالتعليم والمدرسة والمعلم.
وهذه العلاقة الأولى قد تكون مفتاحاً لسنوات طويلة قادمة.
فإذا شعر الطفل بالأمان، تعلّم. وإذا أحب المدرسة، أقبل عليها. وإذا وثق بمعلمه، أصبح أكثر استعداداً للسؤال والمشاركة. وإذا وجد من يفهم خوفه، تجاوز رهبة البداية. وإذا خرج من أيامه الأولى بابتسامة، أصبح الطريق أمامه أكثر سهولة.
ولذلك، فإن استقبال هذا الجيل يجب ألا يكون مجرد أداء للمهام وتطبيق للجدول الدراسي، بل مشروعاً تربوياً متكاملاً يبدأ من بوابة المدرسة ويستمر حتى يشعر كل طفل بأنه في المكان الصحيح.
فالمدرسة لا تبدأ بالكتاب، ولا بالواجب، ولا بالاختبار.
المدرسة تبدأ بالإنسان.. وبقدر ما ننجح في صناعة علاقة جميلة بين الطفل ومدرسته في الأيام الأولى، بقدر ما نكون قد وضعنا اللبنة الأولى لجيل واثق، محب للتعلم، قادر على صناعة مستقبله، واعتلاء سلم المجد بثبات وثقة.

أخبار ذات صلة

امانة الشرقية تحتفي باليوم العالمي للعمل الإنساني
امانة الشرقية تحتفي باليوم العالمي للعمل الإنساني
سوق الجمعة الأسبوعي للطيور والأرانب في الخرمة.. إقبال متزايد يجمع المربين والباحثين عن الطيور
سوق الجمعة الأسبوعي للطيور والأرانب في الخرمة.. إقبال متزايد يجمع المربين والباحثين عن الطيور
أمانة الشرقية تهيئ أبناء منسوبيها للعام الدراسي بفعالية "العودة للدراسة"
أمانة الشرقية تهيئ أبناء منسوبيها للعام الدراسي بفعالية "العودة للدراسة"
من التواد والتراحم إلى الصمت والقطيعة.. العلاقات الاجتماعية تبحث عن الدفء المفقود
من التواد والتراحم إلى الصمت والقطيعة.. العلاقات الاجتماعية تبحث عن الدفء المفقود
;
"الموارد البشرية" تودع دعم الحقيبة المدرسية والزي المدرسي لمستفيدي الضمان الاجتماعي
"الموارد البشرية" تودع دعم الحقيبة المدرسية والزي المدرسي لمستفيدي الضمان الاجتماعي
خطة فرضية لنشوب حريق بمركز الأمير سلطان بالأحساء
خطة فرضية لنشوب حريق بمركز الأمير سلطان بالأحساء
بعد تردد إشهار إسلامه.. زواج نجم الكرة البرازيلي «كارلوس» يشغل المواقع
بعد تردد إشهار إسلامه.. زواج نجم الكرة البرازيلي «كارلوس» يشغل المواقع
رأس ثعلب يقفز من 50 جنيهًا إسترلينيًّا إلى 50 ألفًا
رأس ثعلب يقفز من 50 جنيهًا إسترلينيًّا إلى 50 ألفًا
;
«أيبولا» يتعدى حدود الكونغو.. وتحذير أممي يدق ناقوس الخطر
«أيبولا» يتعدى حدود الكونغو.. وتحذير أممي يدق ناقوس الخطر
«محمية محمد بن سلمان» تختتم أطول برنامج تصويري تدريبي
«محمية محمد بن سلمان» تختتم أطول برنامج تصويري تدريبي
غدًا الخميس أول أيام «سهيل».. نجم يبشّر بانحسار لهيب القيظ واقتراب الأجواء المعتدلة
غدًا الخميس أول أيام «سهيل».. نجم يبشّر بانحسار لهيب القيظ واقتراب الأجواء المعتدلة
بعد 30 عاماً من العطاء.. حي الشرافاء بوادي الدواسر يودّع "خالد كاريل"
بعد 30 عاماً من العطاء.. حي الشرافاء بوادي الدواسر يودّع "خالد كاريل"
;
جامعة الملك فيصل تطلق برنامج تهيئة أعضاء هيئة التدريس الجدد
جامعة الملك فيصل تطلق برنامج تهيئة أعضاء هيئة التدريس الجدد
«فالكونز» السعودي.. بطلًا في كأس العالم للرياضات الإلكترونية بباريس
«فالكونز» السعودي.. بطلًا في كأس العالم للرياضات الإلكترونية بباريس
«الفطرية» و«نيوم» يحتفيان بأولى ولادات الضبع المخطط
«الفطرية» و«نيوم» يحتفيان بأولى ولادات الضبع المخطط
أمين جدة يتفقد جوًا المشاريع والمناطق العشوائية بالمحافظة
أمين جدة يتفقد جوًا المشاريع والمناطق العشوائية بالمحافظة