كتاب

تحدَّث عن نفسك!

محمد البلادي 27 أكتوبر 2026 22:40 دقيقتان قراءة
شابٌ تخرَّج بعد 16 عامًا من دراسة المعادلات الرياضيَّة والصِّيغ الكيميائيَّة، وحفظ قصائد الشنفرى، وصعاليك العرب، وحفظ عواصم دُول إفريقيا والبلقان.. ثمَّ يقف متلعثمًا أمام سؤال يعرف مسبقًا أنَّه سيواجهه في أيِّ مقابلةٍ وظيفيَّةٍ: «حدِّثنا عن نفسك»!.. وحتَّى لو استطاع سرد بعض ما حفظه من نصائح زملائه السَّابقين، وخبراء التوظيف، فإنَّ خروجًا بسيطًا عن الأسئلة المتوقَّعة قد يُوقعه في مأزق أكبر!.. والأسوأ أنّ تلك الإجابات الممجوجة، التي بات يردِّدها المتقدِّمُون على طريقة «النسخ واللصق»، تعطي انطباعًا سلبيًّا لدى كثير من لجان التوظيف، التي تبحث عن شخصيَّة المتقدِّم الحقيقيَّة، لا عن نسخة مكرَّرة من إجابات الآخرين.
حالة تكاد تكون شائعةً بين شبابنا الباحثين عن عمل، ممَّن يجدُون صعوبةً في ترتيب أفكارهم، والتحدُّث عن أنفسهم وقدراتهم بثقة.. ليس بالضرورة؛ لأنَّهم يفتقرُون إلى المعلومة، أو الذكاء واللباقة، بل ربما لأنَّهم لم تتح لهم فرص كافية لتعلُّم كيفيَّة التعبير عن ذواتهم وأفكارهم الخاصَّة.
من الإنصاف القول: إن مناهجنا التعليمية شهدت تطورًا ملحوظًا، وأصبحت تمنح الطالب فرصًا لممارسة بعض مهارات التفكير والتحليل المنطقي، لكنَّها لا تزال دون المستوى المأمول في تنمية مهارات التَّعبير عن الذات، وتعزيز الثقة بالنفس، وبناء الشخصيَّة القادرة على الحوار، وإبداء الرأي، والدفاع عنه.. والمفارقة المُؤسفة أنَّ بعض المواد التي كانت تسهم في تنمية هذه المهارات، ولو بصورة جزئيَّة، مثل مادة التَّعبير والبلاغة والنقد والأدب، أُلغيت أو دُمجت ضمن مقرَّرات أخرى، فتقلَّصت المساحة الصغيرة التي كان يمكن أنْ يتدرَّب فيها الطالبُ على صياغة أفكاره والتعبير عنها بلغته الخاصة.
للأمانة ليست المدرسة وحدها المسؤولة عن هذا الخلل، فالأسرة شريك في تشكيل شخصيَّة الأبناء وقدرتهم على التعبير، ففي بعض بيوتنا، نخلط بين آداب الحوار، واحترام الكبار، ويتوسَّع هذا المفهوم الخاطئ حتى يصبح أحيانًا مجرَّد إبداء الرأي أو طلب التفسير نوعًا من الجرأة غير المحمودة.. وقد يُقابل الطفل بالسخرية حين يطرح سؤالًا غير مألوف.. وبعد سنوات الصَّمت الاجباريِّ، نستغرب خجله وتردُّده، ونلومه حين يعجز عن الدفاع عن حقه، أو التعبير عن رأيه أمام الآخرين. نريده مطيعًا لا يناقش وهو صغير، ثمَّ نريده واثقًا وجريئًا وصاحب شخصيَّة مستقلَّة حين يكبر.. وكأنَّ الثقة بالنفس مهارة تظهر فجأة مع بلوغ سن الرشد!.
ليس المطلوب أنْ نضيف إلى حقائب أبنائنا كتابًا جديدًا عنوانه: (كيف تتحدَّث عن نفسك بسهولة)، بقدر ما نحتاج إلى تغيير طريقة تعاملنا معهم داخل الفصل والمنزل.. بمنحهم فرصة للتعبير الشفهيِّ والكتابيِّ، وشرح ما فهمه بدل ترديد ما حفظ، وتدريبهم على السؤال، والاختلاف، والخطأ، والاعتذار دون الشعور بالحرج.
من المؤسف أنْ نقضي سنوات نُعلِّم أبناءنا وندرِّبهم على الإجابة عن آلاف أسئلة الامتحانات، ثمَّ نتركهم يتعثَّرُون أمام أسئلة الحياة، دون أنْ نعلِّمهم حتى كيف يعبِّرُون عن أنفسهم!.

أخبار ذات صلة