في وقتنا وقبل عدة عقود من الزمان كانت الملهيات محدودة، وتقتصر على التلفزيون والراديو والمسجل، وكانت غير متوفرة ومنتشرة كملهيات العصر الحالي. وكانت تكلفة الاستخدام كبيرة مقارنةً بالإمكانيات المادية المتوفرة، وكانت لا تتوفر بنفس حجم هذه الأيام. والآن استطاع الهاتف النقال أن يسيطر على السوق بأكمله كرائد للملهيات، فأصبح يشغل حيزاً زمنياً من وقتنا لا يستهان به، بسبب تمكين الشبكة العنكبوتية له، وأصبح الجميع -وبصفة خاصة صغار السن- يقضون وقتاً طويلاً برفقته، مما أثَّر على إنتاجيتهم وقدرتهم على العطاء. وما زاد الوضع تعقيداً، أنه أصبح مصدراً للدخل، ومصدراً للحوادث المميتة، ومصدراً للتنبلة، خاصة في ظل توفُّر وسائل التواصل الاجتماعي social media، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي artificial intelligence زادت التنبلة والغش، وأصبح حجم الوقت المهدر -بعيداً عن الإنتاج- كبيراً، ولكافة فئات المجتمع، وبلغ حجم الضرر منه إلى درجة سن قوانين للحد منه على كافة المستويات. الإنسان وحده هو من تتوفر له أداة لتحقيق منفعة وفائدة، فيُحوِّلها إلى معوّل هدم، ولا ننكر الفائدة منها، وأن هناك شريحة استطاعت الاستفادة منها وحققوا منافع اقتصادية ضخمة، بسبب حجم الفراغ والانجراف داخل المجتمعات وبدون تعقُّل. يندر ألا تجد الناس ملهيون بها حتى في أماكن العمل، وعند سنوح أي فرصة لهم. وتجد الحرص على الاستخدام لا معقول، وكأن أرواحهم معلَّقة بها. وتحدَّث كثيرون عن تأثير ذلك على الأسرة والمجتمع، وتسلُّط الجهاز على حياتهم وواجباتهم، ولكن لا حياة لمن تنادي، والمشكلة الكبرى في التأثير علينا في أداء أعمالنا، فبضغطة زر نعمل بحث، وبضغطة زر نجد المعلومة لدينا، لا مجال للقراءة والتحليل والبحث والتطوير، فالعملية سهلة، ومرحباً بالتنبلة. للأسف، لقد أصبح أبناؤنا في الدراسة وغيرها لا يهتمون بالبحث والقراءة والتحليل في ظل الذكاء الصناعي، حتى حل مسائل الرياضيات المعقدة وتشغيل العقل أصبح أمراً من الماضي، والغش أصبح احترافيًّا، وأصبح الهاتف النقال هو الوسيلة المثلى للطالب، والعدو المميت للمدرسين والمدارس، فهل نتحول إلى تنابلة بالجملة في ظل الإفراط في استخدامه واللجوء إليه. والمشكلة أنه حتى من هم أقل من عشر سنوات (سن التميُّز) يطالبون به ويصرون عليه، ولا نستغرب اهتمام المشرِّعين في دولٍ عديدة بالتحكُّم فيه، والتحكُّم في وسائل التواصل الاجتماعي حمايةً لأجيال المستقبل.. فهل نصحو قبل فوات الأوان، وخاصة في دولنا النامية؟!.