في عالم الدبلوماسيَّة، تُخترَع الأجهزةُ، وتُبتكَر التقنياتُ؛ لتسهيل رصد الأزمات والكوارث الإنسانيَّة، لكن يبدُو أنَّ الأمم المتَّحدة ومبعوثيهَا إلى اليمن قد حقَّقُوا قفزةً تكنولوجيَّةً غيرَ مسبوقةٍ في مجال الاستشعار عن بُعد، حيث صمَّمُوا مبعوثًا خصِّيصًا مزوَّدًا بقرونِ استشعارٍ إلكترونيَّة، مبرمجة سلفًا، وهي أجهزةٌ فائقةُ الحساسيَّة، لا تنبضُ، ولا تتحرَّكُ إلَّا عندما يتعرَّض طرفٌ واحدٌ فقط لخدشٍ بسيطٍ.
فإذا استهدفت غارة جويَّة، أو قصفٌ أرضيٌّ صخرةً صمَّاءَ كانت تتوسَّدها قياداتُ الحوثيِّ، أو مستودعًا سريًّا للصَّواريخ، فإنَّ رادار القلق الأُممي يعملُ بكامل طاقتهِ، وتنطلق الصفَّارات، وتعلن الطوارئ، وتُكتب البياناتُ المندِّدة بحرقةٍ بالغةٍ، وكأنَّ كوكب الأرض على وشك الانقسام نصفَين.
أمَّا عندمَا تستهدفُ صواريخُ الميليشياتِ، أو طائراتُهم المسيَّرةُ مطارَ عدن المدني لترويع المسافرِين، أو عندما تُمطَرُ المدارسُ والأسواقُ بالقذائفِ، وتُحرَقُ المنازلُ فوق رؤوس الآمنِين، أو تُزجُّ ببراءةِ الأطفال في محارقِ الجبهاتِ، فإنَّ رادار سعادةِ المبعوث يتعرَّض لعطلٍ فنيٍّ مفاجئٍ، ويفقد حاسَّة البصرِ والسَّمع والنُّطق تمامًا، وكأنَّ شيئًا لمْ يكنْ!
والأمرُ لا يتوقَّف عند حدود الداخل اليمنيِّ المكلوم، بل يتعدَّاه إلى الجيرة الإقليميَّة، فعندما تُضرَب مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، والمنشآت النفطيَّة الحيويَّة، وتُستهدَف المدن، والمطارات السعوديَّة بالصَّواريخ الباليستيَّة، والمفخَّخات يظلُّ سعادة المبعوث في سباتٍ عميقٍ وكأنَّ أجواءَ المملكة وجغرافيَّتها تقعُ خارج نطاق تغطية الأقمار الصناعيَّة الأمميَّة للقلق.
يبدُو أنَّ مهندسي هذا المبعوث نسوا تمامًا إضافةَ زرِ «القلق الشَّامل»، الذي يتفاعل مع معاناة كلِّ المدنيِّين بغضِّ النَّظر عن هُويَّتهم واستبدلوا به نظامَ ذكاءٍ اصطناعيٍّ خاصًّا يكتفي بإصدار بيانات القلق فقط حين يُمسُّ الحوثيُّ بسوءٍ.
في النهاية، علينا أنْ نقرَّ بأنَّنا أمام معجزةٍ تكنولوجيَّةٍ دبلوماسيَّةٍ فريدةٍ.. مبعوثٌ أُمميٌّ يعملُ بطاقةٍ شمسيَّةٍ وخوارزميَّاتٍ حوثيَّةٍ خاصَّة.. تجعله ينطفئُ تمامًا في ظلمات الانتهاكات والجرائم ضد المدنيِّين، ويضيءُ ببريقٍ لامعٍ فوريٍّ كلَّما اشتكى الحوثيُّ من وجعٍ في رأسه!
فيا سعادةً المبعوث.. رفقًا بقرونِ استشعارِنا نحنُ أيضًا، فقد مللنَا من هذه الشَّاشات العرجاء، التي لا ترى من المأساة إلَّا ما يُرضي الميليشيا، حيث يصبحُ القلقُ انتقائيًّا، والحيادُ في إجازةٍ.