تعدَّدت الروايات عن قصة قصيدة الأطلال التي كتب كلماتها الشاعر إبراهيم ناجي، ولحَّنها الموسيقار الشهير رياض السنباطي، وأنشدتها كوكب الشرق السيدة أم كلثوم لأول مرة على مسرح سينما قصر النيل، عام 1966م.
ومما يروى عن إبراهيم ناجي أنه وقع في حب بنت الجيران وهو في السادسة عشرة من العمر، ولصغر سنّها لم يتمكن من طلب يدها، وبعد سنوات عديدة سمع أنها تزوجت، وبعدها بعدة سنوات وفي إحدى الليالي دق رجل باب هذا الطبيب الوحيد في الحي؛ ليسرع في المساعدة لتوليد زوجته التي تعاني من صعوبة بالغة في ذلك، فحضر مسرعاً ووجدها غير قادرة على التنفس، فطلب منها أن تزيح النقاب عن وجهها حتى يتحسن تنفسها، ليكتشف في تلك اللحظة أنها الفتاة التي أحبها، فأكمل المطلوب منه ورفض أن يقبض أي ثمن، وعاد إلى داره وجلس على عتبة بابه، وحمل قلماً وأوراقاً، وكتب قصيدة مطلعها:
«يا فؤادي لا تسل أين الهوى
كان صرحاً من خيال فهوى».
وبعد وفاة هذا الطبيب بسنوات قليلة، غنّتها السيدة أم كلثوم بعد أن تأثرت بها جداً.
في هذا السياق لابد من الإشارة الى قصة هذه الأغنية التي أنشدتها أم كلثوم على مسرح «الأولمبيا» بباريس في نوفمبر 1967م، لصالح المجهود الحربي في مصر في أعقاب النكسة.
وقدم الحفل السيد جلال معوض وكان يردد: «اليوم في باريس وغداً في القدس»، فقوبل هذا الأمر بتصفيق حار لم ينقطع، وبدأ من جانب آخر تسييس الموقف، فطلب المشرف العام على الحفل من كوكب الشرق التدخل لإيقاف ما حصل، وأخبرها بأن الرئيس ديجول اقترب من المسرح، فردَّت عليه بغضب قائلة: إذا كان يزعجكم فلن أقبل ذلك ونلغي الحفل، وأرغب في العودة فوراً إلى وطني، وشعر الرجل بحرجٍ شديد، وتشاور مع مجموعته وعاد إليها وقال: نحن سعداء جداً بوجودك في باريس، وكل شيء سيكون على ما يرام، وتم ذلك بحضور الرئيس الفرنسي شارل ديجول والملك حسين وعدد من السفراء في باريس.
في المقطع الأخير من الأغنية وهي تردد: «هل رأى الحب سكارى مثلنا»، تقدم أحد الحضور المعجبين من الجنسية الجزائرية يريد تقبيل قدم السيدة أم كلثوم، إلا أنها تعثرت عندما حاولت منعه، ثم سقطت على الأرض، فقام الأمن بمساعدتها، إلا أن كوكب الشرق نهضت بسرعة وأكملت ورددت نفس الكلمات: «هل رأى الحب سكارى» وتشير بإصبعها الى الرجل الذي عاد إلى مقعده. فازداد ارتياح الحضور والجمهور، وصفقوا لذلك طويلاً.
وبعد.. فهذا جزء من رسالة أم كلثوم الإنسانية وتجسيد لمواقفها الشجاعة، التي خلّدت اسمها في الذاكرتين العربية والعالمية.