تشرَّفتُ بالعمل في مجال التَّعليم لمدَّة تقارب الأربعين سنة -بتوفيق الله-، وكان عملي مركَّزًا على رفع مستوى التَّثقيف بأطيافه المختلفة، وأهمها مواجهة تحدِّيات جهلي الشخصي في العديد من المجالات. ولم أتخيَّل يومًا ما أنَّني سأحاولُ أنْ أوضِّحَ حقائق علميَّة لأحد وزراء الصحَّة، في إحدى أكبر وأقوى دول العالم، ولكنْ لا بُدَّ من إيضاح بعض الحقائق، والرَّد على الكلام الرسميِّ لوزير الصحَّة والخدمات الإنسانيَّة الأمريكيِّ خلال الأسبوع الماضي، الذي ادَّعى أنَّ المسلمِينَ والعربَ لا ينتجُون العلوم. وفي التَّالي سأحاولُ أنْ أضيفَ لما قدَّمه العديد من العلماء والكتَّاب الأفاضل المناهضِين للعنصريَّة في إيضاح الحقائق. ذكرُوا أمثلةً لإيضاح تلك المغالطات بإيضاحٍ أسماء العلماء من الأصول الإسلاميَّة، والعربيَّة ممَّن فازُوا بجوائز نوبل في العلوم، ومنهم د. عبدالسلام 1979، ود. أحمد زويل 1999، ود. منجي باوندي 2023، ود.عمر ياغي 2025، بالإضافة إلى جوائز أُخرى في الأدب، والسَّلام، كما ذكر اسم د. عطية، ود. مريم مرزخاني اللذين حصلا على ميداليَّة فيلدز في الرياضيَّات، علمًا بأنَّه لا توجد جائزة نوبل في ذلك المجال. وأودُّ أنْ أضيفَ مجال العُمران إلى مجالات الإضافات الحضاريَّة من العالمَين الإسلاميِّ والعربيِّ، علمًا بأنَّ هذا المجال يمثِّل أهم انعكاسات العلوم والتقنية والفكر على حياة الأمم. ومن الأمثلة الجميلة نجدُ أنَّ سوريا الشَّقيقة كانت تقودُ العالم في مجال تصنيع الزُّجاج الملوَّن الرَّاقي، الذي كان يحمي ويزيِّن أهم المباني في العالم، إلى بداية القرن الخامس عشر، وتألَّقت أيضًا في استخدام المعادن ضمن العناصر الإنشائيَّة. نجدُ أيضًا أنَّ القِبابَ والأقواسَ والقناطرَ بأشكالِها الذكيَّة الجميلة كانت إحدى أهم سِمات العمارةِ في الحضارة الإسلاميَّة. وقد تمَّ تطويع أفكارها التصميميَّة في عمران أوروبا، وربَّما من أشهرها كاتدرائيَّة القدِّيس بولس، وقبَّتها المميَّزة في لندن. ولو انتقلنا إلى باريس، سنجدُ أنَّ إحدى أهم معالمها العمرانيَّة كانت كنيسة «نوتردام»، التي احترقتْ عام 2019، وصدر قانون من الحكومة لإعادة بنائِها كما كانت. وللعلم فالعديدُ من الأنماط المعماريَّة لذلك المبنى التراثيِّ المهم في الحضارة الفرنسيَّة منقولة من تصاميم مباني القُدس الشَّريف، وبالذَّات مسجد قبَّة الصَّخرة. ولا بُدَّ من التأكيد هنا أنَّ الموضوع لا يقتصرُ على العناصر الجماليَّة فحسب، فهناك مبادئ هندسيَّة إنشائيَّة أساسيَّة متعلِّقة بالقباب، ورفعها للأسقف، وتحمُّلها لزجاج النوافذ الضَّخمة. جديرٌ بالذِّكر أنَّ العديد من تلك المبادئ الإبداعيَّة انتقلت من الكنائس إلى المباني الأيقونيَّة في أوروبا، والولايات المتحدة، مثل الجامعات، والمباني الحكوميَّة. وبالنسبة لموضوع مراكز الفكر والعلوم الإسلاميَّة المتميِّزة، فأودُّ أنْ أؤكِّدَ على موضوعِ تعدُّد مراكز الفكر والعلوم الإسلاميَّة المتميِّزة.. بيت الحكمة الذي كان أحد أهم منابر العلم والفكر في بغداد، لم يكن وحيدًا، فكان هناك -أيضًا- دار الحكمة في القاهرة الفاطميَّة، وخزانة الحكم في قرطبة الأندلسيَّة، ومرصد مراغة الفلكيَّة في أذربيجان، وجميعها كانت من أهمِّ منابر الفكر والعلوم قبل حوالى ألفِ سنةٍ. أمنيـــــة لم أتطرَّق إلى مئات الأفكار والتقنيات التي نبعت -بتوفيق الله- من الحضارة الإسلاميَّة في هذا المقال المحدود. ولكنْ أتمنَّى أنْ تكون هذه فاتحةَ خيرٍ لتوسُّع أفاق ثقافة الجميع، واللهُ المُوفِّقُ.. وهُو مِن وَراءِ القَصدِ.