إلْدُورادُو الأوهام ومأزق الحاضر

إلْدُورادُو الأوهام ومأزق الحاضر
«عايش ميت» للروائية التونسية «خيرية بوبطان»، رواية تقول حاضرًا مأزومًا وذاكرة مجروحة. نص الخيبة من إلدورادوالوهم أوالجنة المفترضة. على مدار الصفحات كلها لا تنأى الرواية عن ثنائية الإرادة واليأس، التي تحكمن فيها من البداية حتى النهاية، مما أعطى الرواية وحدة داخلية جعلتها تقول التاريخ الفردي والجماعي، بوسائلها الإبداعية الخاصة. «مريم» شابة مليئة بالحياة. مثقفة وجدت نفسها في دائرة الرفض والنضال مع أصدقائها. لا تملك سوى أن ترفض مجتمعًا يضطهد أنوثتها وإنسانيتها، في ظل خيارات قهرية من طرف غيرها. ليس من حقها أن ترى البحر الذي تعشقه، ولا الحياة كما منحها الله لكل البشر. فهي عرضة لعيون الناس التي تُحسِّسها بالذنب دائمًا، وفق عقلية جمعية يتحكم فيها الرأي الأحادي. من منطق هذه الذكورة المرضية، لا تُعمِّر تجربة حبها الأولى، التي بدت عفوية وصادقة تُفقدها لحظتها الأولى، وتُسكن في رأسها حياة غير تلك التي تتصورها. يتبدى لها في النهاية أن حب الرجل لها، لم يكن إلا وهمًا، ولم تكن هي إلا ظلا لامرأة أخرى.حفلة صغيرة كشفت لها هزال حلمها الذي لا يُشبه في شيء «الحياة» بقسوتها وتناقضها، مما غرس في داخلها جرحًا لم تستطع تجاوزه. وولّد في أعماقها أسئلة ظلت تشغلها. هل الحياة ما نراه أم ما ينشأ في الظل؟ الصور التي عاشتها مع «جواد» كانت قوية. فقد كان أداتها لاكتشاف جسدها ولو في الحلم. ربما كان يُفضَّل في هذا السياق لو انتقلت الرواية من الوصفية الحيادية إلى الفعل السردي الذي يُنمِّي حالة الحب ويعطيها مصداقيتها، ويُحوِّلها إلى عملية إبداعية نصية.. تنتهي تجربة «مريم» إلى الزواج من رجل لا تملك تجاهه أية عاطفة سوى أنه غني، ويُوفِّر لها بعض الاستقرار والراحة الداخلية التي ظلت تبحث عنها. هو يشتريها، وهي واعية بذلك، إذ تقبل باللعبة، لأن خياراتها أصبحت محدودة، بعد خيبة الحب الذي ظلت تحلم به.. تحاول «مريم» أن تحافظ على نقائها في عز عالم غير صادق، وأن تنفذ من نمذجة المدينة التي تنمط الناس وفق خياراتها لدرجة أن يتشابه الجميع. حتى «ناصر» -بيّاع الشوينغوم- لا يهمه من «مريم» إلا ما تُغدقه عليه من محبة ونقود. السمة الإنسانية والعاطفية تقع من حيث التراتبية في النهاية.. يجب أن نؤكد بأننا أمام شخصيات منهارة لا يحكمها أي ضابط سوى الخيبة والضياع، في مدينة فقدت كل مميزاتها الحضارية، وتحولت إلى فضاء بلا روح. حتى عندما خسرت «مريم» كل شيء أصبحت تنظر للمدينة؛ كمن يكتشف للمرة الأولى فضاءً عاش فيه، وشهد كل مسارها الحياتي. لكن على الرغم من التلوث الكلي الذي مسّ البحر ونقاءه، يظل مثل «مريم»، مصدرًا مفتوحًا للعابرين والمنكسرين والخير. لا شيء يثني الإنسان عن أن يكون إيجابيًا.في جوالحيرة الذي تُنشئه الرواية، تتساوى الحيرات والانكسارات والهزائم الصغيرة، ولكن أيضًا الأحلام الصغيرة يتشبّت بها الجميع لكي لا يفقدون حواسهم بمحيطهم الحي. كل واحد يحمل أسئلته الداخلية وكأنه عينة صغيرة من مجتمع فقد الكثير من ملامحه الإنسانية.. «مريم» تراكم الخسارات العائلية، أولا من طرف والد لا يريدها أن تظل مُعلَّقة، ومن حبيب خدعها ليتزوج بغيرها، ومن زوج لا شيء يجمعها به إلا فراش بارد. كل شيء يصطدم باللامعنى. حتى صديقها «أحمد»، مآلها الكبير والأخير، الذي تُرافقه في رحلة هروبية نحوالحدود الجزائرية سرعان ما تنتهي بهما إلى المخافر، وإلى ميتة صديقها بشكل تراجيدي مع الذين كانوا يشتغلون معه في تهريب الممنوعات. ربما كان «أحمد» هوما تبقّى لها من صداقات الدراسة، و»عائشة» التي لم تُغيِّرها الحياة، ولكنها أغرقتها أكثر في يومياتها المتعلقة بحيواة الناس. «جواد» الذي تركها لحساب امرأة أخرى تُغرقه في الديون، إذ كان عليه أن يسهر على رغباتها التي تنزله حتى الحضيض والمرض.هذه العزلة وتركها لعملها الإعلامي الذي كان يساعدها على تحمُّل مشاق الحياة، يدفع بـ»مريم» إلى البحث عن حياة أخرى، هي في نهاية المطاف تجسيد لليأس الكلي الذي لا خيار بعده. تختار أخيرًا الهجرة السرية، بحثًا عن جنة الأمان من وراء البحر. تتخطى مصاعب البحر لتجد نفسها على الضفاف الأخرى الحاملة لأحلام الوهم. ربما لعب لقاؤها بـ»سامي» دورًا في تجديد علاقتها بالحياة. «سامي» مُصوِّر وهي إعلامية، بمساعدته تجد عملا في نفس الجريدة التي يشتغل فيها. لكن سفرته إلى العراق تُشعرها بالخوف. وتكاد تيأس من عودته بعد سلسلة انفجارات مسّت أحياءً كثيرة في بغداد، ولكنه يعود في الأخير وينشأ حب بينهما يُحيي الرغبة في العودة إلى الأرض الأم. ويعودان بحثًا عن حياة يتخيلان أنها ما تزال ممكنة.هو ذا النص التي شاءت به «خيرية بوبطان» أن تقول حيرتها، وتقف في وجه الخسارات والخيبات، وتصرخ في وجه مجتمع فقد إنسانيته. ليس المجتمع العربي وحده مركز الاتهام، ولكن أيضًا إلدورادو الوهم، مجتمع الضفة الأخرى، الذي لم يستطع أن يحمي براءتها، ويُوفِّر لها أمانًا ظلت تبحث عنه في ظل انهيار المجتمعات القديمة، واستحالة الحياة في المجتمعات الغربية.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ