Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عائشة عباس نتو

فرسان... صوت والدي

A A
كان والدي، رحمه الله، يحدثنا في طفولتنا عن أحد أفراد العائلة الذي يقيم في فرسان. كنا نصغي إليه باهتمام، غير أننا لم نكن نعرف موقع فرسان أو كيفية الوصول إليها، فبدت لنا آنذاك اسمًا يطفو على سطح البحر أكثر مما يستقر على الخرائط. رحل والدي، وبقيت كلماته عالقة في الذاكرة، تنتظر لحظة تحققها.
ومضت الأعوام حتى حان موعد اللقاء الذي كتبته الأقدار. وعند وصولي إلى جزر فرسان، كان من دواعي سروري أن أزور منزل الأديب والكاتب إبراهيم مفتاح، ذلك البيت الذي يجسد أصالة جازان وكرم أهلها، حيث يلتقي دفء الإنسان بعبق المكان.
وهناك كانت المفاجأة التي لم أتوقعها؛ إذ إن فرسان ليست جزيرة واحدة كما تصورت في طفولتي، بل أرخبيل يضم ما بين 200 و264 جزيرة متفاوتة الأحجام، تتصدرها جزيرة فرسان الكبرى. بحر يمتد بلونه الأزرق الصافي، وغابات القندل تحتضن المياه، وشواطئ تنسج من الرمل والضوء لوحة طبيعية لا يبهت جمالها مع مرور الزمن.
وقفت أمام هذا المشهد البديع، فعادت إلى ذهني صورة والدي بكل تفاصيلها. أدركت حينها أن حديثه لم يكن مجرد رواية عابرة، بل نافذة أتاحها لي لأتعرف على هذا الجزء الثمين من وطننا. وتيقنت أن بعض الكلمات تحتاج إلى سنوات طويلة لتتكشف معانيها، وأن بعض الأماكن لا نزورها للمرة الأولى، بل نعود إليها عبر ذكريات من نحب.
غادرت فرسان وأنا أكثر يقينًا بأن المملكة ليست مجرد وطن تتسع حدوده، بل حكاية متجددة مع كل مدينة، وقصة تُروى مع كل جزيرة. وستظل فرسان بالنسبة إلي المكان الذي أعاد إلي صوت والدي، وربط طفولتي بحاضري، وأثبت أن أجمل الرحلات هي تلك التي تبدأ بكلمة من أب، وتنتهي بدهشة لا تغادر القلب.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store