وصايا أمي والوطن المحتمل
تاريخ النشر: 14 أبريل 2016 01:11 KSA
كلما استعدتُ وجه أُمِّي، شعرتُ بأنها كم كانت على حق. بحكمتها الكبيرة والحية، أبعدتنا أمي عن كل ما يكسر أحلامنا ويختزلها في الأشياء السريعة، في قرية حدودية لا عمل فيها إلا التهريب. فرعون لم يأخذ قصوره معه. كانت تقول كلما جاء مَن يُغريها بمسلك التهريب. أي أن تتركنا نغرق في عالم لا أمان فيه. وسرنا في مسلك الدراسة الأصعب، الذي حمانا من الجهل، وحمانا أيضًا من الموت. اليوم، بعد كل سنوات غياب أمي، كلما زرت المقبرة لأقرأ الفاتحة على قبرها، رأيت على مدّ البصر شواهد الشباب الذين قتلوا على الحدود بسبب التهريب. والشباب الذين ماتوا في حوادث السيارات وهم يُحاولون الهرب من الجمارك، وهم في حالة تلبُّس أو تخدير كلّي، قبل أن يسقطوا في فراغ أو يصطدموا بحائط وعندما أسأل عن بعض من عرفت في القرية، يُجيبني آباؤهم: فلان غادر القرية خوفًا، لأنه مُطارد من الأمن بسبب المخدرات. وفلان ضبط معه طنّ من المخدرات فأخذ تأبيدة. عالم شديد القسوة يموت في الصمت والسكينة. عرفتْ أمي كيف تنقذنا منه على الرغم من قسوة الفقر. تقول أمي: المكسو بلباس الغير، عريان. أعتقد أن الأمهات في القرية فشلْن حيث نجحت أمي بحاستها الطبيعية النقية. شدق حلال ولا خبزة حرام. تلك وصيتها التي رسخت في القلب لأنها ببساطة تُربِّي القناعة. وحدها أمي واجهت صلابة الحياة بقوة. لهذا لم أشعر كثيرًا بغياب الوالد بعد استشهاده في الخمسينيات. ذهب مؤمنًا بوطنٍ محتمل. ولم يترك له قبرًا إلا في قلب أمي، بينما أنا وإخوتي الصغار بالخصوص، كنا نتوارث الكذبة الجميلة التي تؤكد أنه في الغربة، وسيعود يومًا ما ليمنحنا أخًا جديدًا، ثم يسافر ثانية كما تعوَّد أن يفعل. عملت أمي بمشقة بدون تشكِّي أو تذمر. وربما كانت تلك خامس قيمة منحتها لي أمي بعد السماحة والحب والصبر والقناعة. العمل كقيمة وعدم الاستسلام لمصاعب اليوم وقسوته. وإبداع الحياة يوميًا كيفما كانت المعوقات. كلما تأمّلت وجه أمي رأيت بوضوح، بين خطوط وجهها التي عمّقها الزمن الذي كان يسوده الظلم، أحزانها وخيباتها وأفراحها الصغيرة. داخل كل دوّامة الفقر التي نزلت فجأة على العائلة بعد أن كانت تعيش رخاء نسبيا تضمنه حوالات الوالد التي كان يبعثها شهريًا من فرنسا، باستمرار، لم أشعر يومًا أننا كنا على الحديدة. ولم نبت يومًا بلا أكل. لا تهمّ الوجبة، ربما كانت كأس شاي أو بيضة مسلوقة في الماء أو سلاطة وطماطم كنا نغرسها بالقرب من البيت، مع قطعة خبز من الشعير التي كانت يومها دلالة على الفقر، وأخرى من القمح الذي كانت تطحنه في رحاة يامبو الشعبية التي حملت تاريخا وراءها قبل أن تنطفيء مع أصحابها. نحن أمة للأسف لا تعرف كيف تحفظ ذاكرتها وجراحاتها. كل شيء يأتي ثم ينطفئ وكأنه لم يكن أبدًا. أبحث أحيانا عن تلك العلامات التي بقيت من تاريخ صارخ فلا أجدها إلا في رأسي كما ورّثتها لي أمي وأورِّثها بملامسي لابنيَّ باسم وريما لينا. تماثيلنا نحملها فينا، وعندما نذهب، تُدفن معنا إلا إذا وجدت مَن يحميها في أبنائنا. ربما ورّثتني أمي هذا أيضا، قصصنا القديمة التي لها أصوات وطعم ورائحة التي يجب أن تظل حية ولا تموت، ولا تفقد ألقها. لهذا، الحروب قاسية لأنها تقتل ليس البشر فقط، ولكن أيضا الذاكرات وتحل محلها ذاكرة الحشو والرماد.أمي عاشت ٩٢ سنة، واقفة كنخلة حتى النهاية. ويوم خرجت للمرة الأخيرة بشكل فجائي كما تمنَّت تماما، كانت ما تزال الحياة بالنسبة لها قوة دائمة. وعاشت حتى الثانية الأخيرة تمشي. تجيء. تجوب الأسواق. تطبخ. تُحب أبناءها وأحفادها. حرّة في حركتها وفي مالها. تعيش براتب والدي التقاعدي في فرنسا الذي رحل تاركًا لها راتب الشهيد لكي لا تحتاج لأحد، وتعيش كبرياءنا كما اشتهته وكما أرادته. حجّت مرارا واعتمرت مرارًا أيضا. ولكنها لم تتوقف أبدًا عن البحث عن رفاة والدي على مدار أكثر من نصف قرن، فقط لتضع شاهدة على قبر تكتب عليها: هنا ينام الطير الحرّ لعرج أحمد. عاش بعيدا ومات قريبا. لتقف كما يفعل جميع سكان القرية وتترحّم عليه. ويوم نفد صبرها وخانها العمر، افترضت أن روحه في كل مكان. في كل المواسم تقف في المقبرة وتلتفت صوب السجن الفرنسي القديم وتترحّم عليه. تعرف جيدًا أين قتل وهذا يكفيها. لا يهمّ أين دفن؟ فروحه في كل مكان. ورفاته سينطق يومًا من تلقاء نفسه.