صُنَّاعُ الفرح الفلسطيني

صُنَّاعُ الفرح الفلسطيني
في المرتين الأخيرتين اللتين زرت فيهما أرض فلسطين، صادفت فرحتين كبيرتين قلّ ما تحدثان بهذا الشكل الجميل الذي يوقظ في نفس الإنسان الكثير من المباهج المدفونة تحت أكوام الخوف والخيبات، الأولى كانت عندما ذهبت إلى فلسطين لأول مرة، بدعوة من متحف درويش، وقدمت محاضرة عن التجربة الروائية، نشطها يومها المثقف المميز الدكتور إيهاب بسيسو، وزير الثقافة الفلسطيني حاليًا، كانت رام الله مشتعلة فرحًا بمناسبة فوز محمد عساف في آراب أيدل بالمرتبة الأولى، التي قذفت به بسرعة في ساحة الكبار والمشهورين في المجال الغنائي، كانت الشوارع غاصة بالأنوار الليلية والبشر والزغاريد، وصوت محمد عساف وهو يصدح من مكبرات السيارات: علّ الكوفية التي تركت أثرًا كبيرًا في نفسية كل عربي ما تزال فلسطين تعني له رمزية التحرر من قيد الظلم والاحتلال، لكن هناك من لا يرى إلا الظلام حتى عندما تعبر نجمة هاربة، لا يلمح إلا رمادها وينسى كليًا هالة النور التي تحدثها ولو لثانية. أكثر من ذلك كله، فهو لا يرى في هذا النجاح إلا شراء للذمم، وعساف لا يعدو أن يكون غواية من الغوايات الكثيرة لنسيان القضية الفلسطينية وابتذالها؟ الغريب أن الظاهرة ليست فلسطينية، لكنها عربية لدرجة أن نتساءل أحيانًا، لماذا نحن العرب لا نعرف كيف نفرح حتى عندما يفاجئنا الفرح على طبق من نور، وندفع بكل شيء نحو الموت؟ ألم يغنِّ عساف علّ الكوفية التي أشعرت الملايين من العرب بأن العالم ما يزال ببعض الخير؟ ألم يوصل عساف الحزن الفلسطيني القاسي إلى أبعد نقطة في القلوب العربية المنكسرة؟ من غيره في السنوات الأخيرة استطاع بعفوية الفنان أن يزرع بعض الفرح في آلاف البيوت الشعبية، ويمنحها سعادة صغيرة كم كانت في حاجة إليها؟ والثانية حدثت معي مؤخرًا، عند استجبتُ بسعادة لدعوة كريمة من معرض الكتاب الفلسطيني في رام الله للمساهمة في ندوة القدس في الرواية العربية بمحاضرة: القدس التي عرفت؟ وتوقيع روايتي الجديدة: العربي الأخير، في طبعتها الفلسطينية، صادفت فرحة كبيرة عند الكثيرين وهي فوز الروائي الفلسطيني ربعي المدهون بجائزة البوكر العربية عن روايته: مصائر، كونشرتو الهولوكست والنكبة، خارج القيمة الفنية للنص وخارج الكاتب نفسه، يعني هذا الفوز أن الفلسطيني ما يزال حيًّا أمام آلة تريد محوه، وأنه قادر على الإبداع والتفوق، وأنه يمتلك سلطة تغيير المصائر أدبيًا، ومنح القراء العرب وغير العرب هذه السعادة النادرة في زمن رمادي لا شيء يلوح فيه إلا الخوف من القادم والدم، أكثر من ذلك كله، أن الحروب ضد الاحتلال لم تسرق منه إنسانيته، ولم تقده نحو الضغينة لدرجة العمى، يمكننا أن نختلف في تقييم الرواية وهو أمر عادي، فلكل إنسان الحق في رؤية ما يريده في نص يقرأه، لكن لا أحد ينفي عن ربعي أنه كتب رواية تبحث عن الإنسان في كومة الأحقاد والحروب، لكني استغربتُ بأن بعض الاتهامات وصلت إلى درجة التطبيع، وكأن ربعي كتب منشورًا سياسيًا ولم يكتب رواية؟، ربعي لم يُمجِّد الاحتلال، ولم يجد المسوغات لتبرئته من جرائمه، وضع الهولوكست البشع في أفق التساؤل: كيف يتحول الضحية إلى جلاد؟ كيف يُعيد إنتاج نفس الهولوكست بارتكاب جرائم ليست أقل مما ارتُكِب ضده؟ مَن يستطيع أن يمنع إنسانًا من أن يعود إلى أرضه حتى ولو رمادا؟ أتفهم غيرة الأدباء، وهي ظاهرة مرضية استشرت عربيًا، لكن من الصعب ألا نفرح بربعي في زمن يغتال كل ذرة للفرح، السعادات قليلة في عالم سيّدته الحروب والبشاعة الإنسانية، ومع ذلك نتركها تنزلق من بين أيدينا وكأنها لا تعنينا أبدًا، العجز عن السعادة حتى عندما تتوفر، يكاد يكون مرضًا قاسيًا، أليس من الأجدى أن نفرح أولاً، ونتأمل الظاهرة لاحقاً؟ الأفراح نادرة، ينحتها أحيانًا مَن يحتاجها من حجر الصوان فقط؛ ليستطيع تحمُّل قسوة حياة لا تمنح إلا المزيد من الخوف والمآسي.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ