جريمة سرقة الذاكرة الإنسانية وبيعها

جريمة سرقة الذاكرة الإنسانية وبيعها
مسألة أخلاقية تفرض نفسها اليوم بقوة. في ظل انهيار دول بكاملها كانت، إلى وقت قريب، حارسة لجزء مهم من ذاكرة البشرية الحية أبدا، كيف يمكن للإنسانية أن تحافظ على تاريخها القديم من خلال رموزه الواقفة والحية؟ كيف يمكن التصرف أمام هذه البدائية التي نعيشها يوميا من خلال مشاهد التدمير التي تبثها التلفزيونات العالمية؟ حطمت تماثيل بودا في أفغانستان في مشهدية إجرامية غير مسبوقة. وظل العالم متفرجا يندب ما كان يحصل من بعيد بدون حركة حقيقية تكاد تضاهي التواطؤ العالمي مع ما كان يحدث. المتفرج على الجريمة مجرم أيضا. العراق بميراثه الإنساني، ومتاحفه الغنية لم ينج من آلة المحو التي وجدت مجدها ومبرر فعلها الجهنمي، في ظل تسيد عالم ظالم تحكمه اللاعقوبة الدولية. دُمر عراق الحضارة ومهد البشرية وأحرقت مسلاته التي خطت عليها كتابات، عمرها قرون، ومحيت قوانين شكلت لحظة تفتح البشرية على تاريخها وضبط حياتها. وسرقت الحروف الأبجديات الأولى التي كانت وراء كتابة ملحمة غلغاميش. لم يكن غلغاميش عربيا وأنكيدو عراقيا، كانا أكثر، الإنسانية كلها مختزلة في أجمل ما أنجزته وما أبدعته. سوريا حفظت الحضارة الهلينستية التي تحولت عبر الأزمنة المتعاقبة إلى بيت حي وديناميكي استوعب الشرق الحضاري والغرب في اختلافهما وتكاملهما الديني والمعرفي. فجأة أنبتت تلك الأرض الطيبة المتسامحة، قتلة من نوع جديد. قتلة كل سند تاريخي يعطي لهذه المنطقة مبرر وجودها الثقافي والحضاري وأنها لم تنبت من فراغ. وتحولت أجزاء كبيرة من مدينة تدمر، خلاصة التجربة البشرية العمرانية والفنية، إلى حفنة غبار وكأنها لم تكن أبدا. لم يكن اليمن الذي فقد سعادته أكثر حظا من بقية الدول العربية الأخرى. فقد كان مهد الإنسانية الأول، في تسامحه الديني من اليهودية إلى المسيحية إلى الإسلام قبل أن تدخلها التترية الجديدة التي أحرقت ميراث التواصل والحب والتسامح والخير والرهان على سعادة الإنسان في النهاية. لقد أبيدت الكثير من معالم اليمن وأسراره الأركيولوجية الثمينة بسبب التدمير والسرقات والحروب المفنية لكل شيء حي أو حامل لبذرة الحياة، على الرغم من الزمن الماضي. تومبوكتو مدينة التعددية والتسامح والتصالح بين الثقافات الوافدة والزنوجة على تعبير الشاعر إيمي سيزير، التي أسست لتمايزها واختلاطها بالثقافات والديانات الأخرى. الكثير من معالمها تعرضت لتلف منظم. لقد واجه السكان فعل الإبادة بصدورهم حتى الموت. الكثير من المخطوطات سرقت، لكن الكثير منها تم حفظه، كما فعل أجدادهم الأوائل، فردموها تحت التراب والرمال وداخل جذوع الأشجار. حتى لا تسقط بين أيدي العدمية القاتلة. هناك مخاطر كثيرة تعمل على محو الجزء الجنوبي من التاريخ البشري. لكن هناك أيضا أملا صغيرا في إنقاذها ولو جزئيا، إذا أدركت البشرية أنها أيضا معنية بهذا التاريخ. ماكينة الخراب أخذت كل شيء صادفته في مسالكها. نهبت وعندما لم تستطع أحرقت ودمرت. وباعت في أسواق الآثار العالمية، ما نهبته من مخطوطات تومبوكتو، والآثار العراقية والسورية واليمنية وغيرها. بعض هذه الآثار ينام اليوم في مخازن المتاحف العالمية الكبرى أو لدى الخواص الذين سخروا فرقا بكاملها لاستقبال المسروقات في انتظار المتاجرة بها. سيخرج كل شيء إلى النور عندما تخبو نيران الحروب، وتُشرَّع السرقات على أساس أنها مقتنيات أو مشتريات. وهو ما يجعل الأمر كارثيا لأنه سيفرغ بعض البلدان من روحها ويحولها إلى لا شيء كما فعل سابقا مع حضارات المايا والآزتك اللتين أصبحتا مجرد كلمات عابرة. السارق مجرم. الحارق مجرم. المبيد مجرم. والمشتري أيضا شريك في الجريمة، ولا يقل إرهابا عن الإرهاب المتسبب في كل هذا الهلاك. بل هو من يمنح الإرهاب عمرا أطول لأن هذا الأخير يعيش جزئيا على المردود المالي المتأتي من تهريب الآثار.على المجموعة الأممية أن تفعِّل قوانينها الردعية ورفع هذه الجرائم إلى رتبة جرائم ضد الإنسانية مثل تلك التي يحاسب عليها اليوم قتلة شعوبهم. أن يتسع فضاء لاهاي ليشمل الذي يبيعون التراث الإنساني المسروق بسبب الحروب، والذين يشترونه، خارج الضوابط الدولية، حفاظا على ذاكرة الإنسان المهددة اليوم بالتلف والإفناء وربما الانقراض.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ