رحيل جدتي عائشة ناغي
تاريخ النشر: 12 يوليو 2016 01:15 KSA
رسالة من خمسة أسطر من زوجي غيَّرت كلَّ يومي، ذهبتُ لبيت ابنة عمّي ثناء نتو، وسلَّة دموع في يدي؛ لفقدان جدَّتنا عائشة محمد ناغي.. كنتُ أتخيَّل كلَّ دمعة في هذا اليوم ستذرفها ابنتها الوحيدة على غيابها، أشدّ ما كنتُ أخشاه هذا اليوم أن تفضحني حواسّي، فالعين تحمل شعورًا بالحزن لفراقها.. كنتُ أحاول أن أقومَ بدور المتماسكة أمام تلك الابنة، التي عاشت حياتها مع أمّها راضية مرضيَّة، كان عقلي يحاول أن يمنعني من البكاء، فتهاويت معها عند لحظة الرحيل.. عندما وضعت جدَّتي في عربة الموت، كان الأسفلت يرقد بحزن على كتف ضباب شوارع جدَّة، والعمارات نائمة، كلُّ شيء كان مكدَّرًا لرحيلها، إنَّها سنَّة الحياة يا ثناء!ما نحن فيه هو مجرَّد حياة مؤقَّتة، ينتهي كل شيء فيها، ما إن تظهر كلمة (الموت).تحدّثك «ثناء» عن جدَّتي والحنان والعمر المديد بالحب، تحدّثك عن سريرها، عن أدواتها، عن اقتراب الموت منها، عن لحظة الرحيل حيال جسدها؛ لتغفو للمرة الأخيرة بين يديها.لا أعثرُ في ذاكرتي إلاَّ على كلمات تروي لنا عن قربها التي تظلَّلت بحبِّ أمها في روحها وجسدها، تمتمت بصوت منخفض، «كانت أمي.. نعم كنت أمي»....أيّ سرٍّ فيك أيُّها الجدَّةُ التي يجعل كلَّ وجوه المعزِّين أشبه بعلامة سؤال، تبحث عنك في غيابك... لقد أصرَّت «ثناء» قبل دخول جثمانك المسجد أن تلقي نظرة أخيرة عليك.. كان وجهك «منيرًا» كعادته، فلم يحرمها الله من أن تنظر إليك النظرة الأخيرة، وتشمّ ورد جبينك المعطَّر.. الأرض لن تنسى كل خطوة كنتِ تخطينها عليها، وستحكي عنك، وسيكثر الربيع على لسانها بذكراك، رغم رحيلك إلى سماء النسيان. اعذريني يا ابنة عمّي ثناء، فنحن البشر دائمًا حالمون برؤية مَن نحبّ؛ لنكمل حديثنا معهم.. والموتُ بكلِّ سطوته مهما فعل لن يمحو ذاكرتنا.. فمثل جدّتنا أكبر من النسيان.