ثقافة
فهد دوحان بين القلق وحالة الحب العظيمة
تاريخ النشر: 07 يناير 2017 04:04 KSA
يا راكبين بسهادي
فوق الجفون الثقيلة
ياللي حطبكم رقادي
ودلالكم من مقيله
أهيم في كل وادي
واسيل به قبل سيله
شاعر تورط وعادي
لو ما تورَّط:
بـ جيله.!
أتبع وسيع البوادي
لا ضاق بالصدر نيله
عقلت لحدود غادي
ضعت.. وخذوني دليلة.!
صبحي يباري هجادي
عزمٍ، يعمّر سبيله.!
ماعاد لي قلب هادي
والأرض مثل الفتيلة
لمَّا يكون الرمادي
لون الحياه الهزيلة
يعني الوقوف الحيادي
بينك وبين الفضيلة.!
فهد دوحان شاعر استثنائي.. حينما نقول ذلك، فإننا لا نصفع الذائقة بالتخمين، ولا نتجاوز المألوف في منح الألقاب الحقيقية لأصحابها.
إننا لا نغامر، وإن غامرنا، فالمغامرة مع شاعر كفهد لا يمكن أن نجني منها غير الكسب الحتمي، وهذا النص، الذي ينقلنا فيه فهد، ببساطته المعقَّدة إلى أفق ليس أقله أنه متناهي في رفع الذائقة العامية إلى أبعد مدى من المعاني الجميلة.
يمكن القول معه بأنه يمثل منتصف التجربة لدى فهد، وأعني بالمنتصف هنا ما يمكن أن يقاس ببعض نصوصه التي اطلعت عليها، وفهد من المجرَّبين القدامى، ومن أوائل من جددوا في القصيدة العاميَّة، ولا يزال كذلك، فقد بدأ منتصف الثمانينيات، ضمن مجموعة جميلة من شعراء الكويت، وكونوا هناك ما يمكن أن يطلق عليه تجربة التحديث في النص العامي، الذي تزامن -ربما- مع تلك التجربة في الجهة الأخرى من الجزيرة العربيَّة، وأعني بها تجربة شعراء الحجاز.
وعندما أقول: إن هذا النص يمثل منتصف التجربة لدى فهد، فأنا أعني أيضًا أن هناك نصوصًا أخرى أكثر نضجًا من نصه هذا، وليس هذا تقليلاً من شأن هذا النص، كلاّ، ولكن من اطَّلع على نصوص فهد دوحان جميعها، أو جلها يدرك حقيقة ما أقول، فالرمزيَّة في هذا النص تكاد تكون عائمة، أو فلنقل متماهية مع بساطة النص، فليس لها من القوة ما للرموز الأخرى الموجودة في نصوصه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالتراكيب اللغويَّة أيضًا فيها من السلاسة ما يجعلها أقرب إلى منتصف التجربة منها إلى نضوجها، وبالمناسبة فقد يكتب الشاعر نصًّا جديدًا من حيث التأريخ، لكن يظل رهن القِدَم من الناحية اللغويَّة وغيرها من النواحي التي يتكئ عليها أيّ نص شعري.
وحتَّى لا نشتِّت ذهن القارئ في نظريات قد يحار في فهمها دون وجود استدلالات شعرية تنقذه من حيرته هذه، يجدر بنا الغوص في أتون هذا النص الذي يعتبر من أحدث نصوص الدوحان تأريخيًّا.
يستهل الدوحان نصه هذا بالجمع المفرد، وأحسب أن هذا مصطلح جديد أضمه إلى قائمة ما يدفعني من مؤثرات كتابيَّة تفرض عليَّ طرحها، وأعني هنا بالجمع المفرد ما يريدنا الدوحان أن نفهمه، وما يمليه عليه النسق الكتابي، فهو لم يستنهض قواه الشعرية من أجل جيش من المقصودين، وإنما المقصود هنا أحدهم فقط، لكن لغة الجمع تمنحه الثقة في بث همه للقارئ، فهو يواري بين ما تفرضه عليه الكتابة وما يشعر به، وقد يكون ذلك مقصود الشاعر الأول، فإن المخاطب بالجمع يأخذ حكم الأنا المتضخمة؛ لذلك فكأن الشاعر هنا يريد أن يقول بأن المقصود وإن كان واحدًا، لكنه في عينيه كثير.
ومن خلال الصورة المركبة، التي يريد منا الشاعر تصورها يبدو لنا مدى أهمية هذا المقصود لديه، فقد جعله في أحب مكان لديه، وكما قيل -في المثل العامي-: إذا حبّتك عيني ما ضامك الدهر.
هذا المكان هو الجفن، ومعلوم أن جفن الإنسان -رغم حساسية موقعه- حيث يبدو الساكن فيه مهددًا بالنزول في أي وقت وتحت أي ظرف، إلاَّ أنه يندر جدًّا أن يحتل مثل هذه المكانة شخص لم يبلغ الأفق في الحب والتقدير.
ومع ذلك يزاوج الشاعر بين حالة الحب العظيمة التي جعلته يُسكِن المقصود في جفنه، أو فوق جفنه وبين ما ينتابه من قلق يحدوه لأن يزواج بين المتناقضات ويخالف بين المتماثلات..
حطبكم = رقادي
دلالكم = من مقيله
الحطب في عرف أهل السمر والسهر لا يمكن أن يكون مصاحبًا للرقاد، فهو قرين السمر والسهر، لكن الشاعر هنا يريد منا أن نصل معه للصورة المثلى التي تنقل لنا كيف ينام؟
إذ النوم لديه = السهر
والمقيل لديه = شرب القهوة
فكيف له إذًا أن ينام؟
وكيف له أن يَقِيل؟
ولتكتمل لدينا صورة التشتت التي يمر بها الدوحان، فإنه يعبِّر لنا عن حالة من حالات الشاعر الاعتيادية، والتي هي ليست خاصة به كإنسان، وإنما هي حالة عامَّة لكل الشعراء، هذه الحالة هي ما يمكن أن يطلق عليه (الهيمان)، قال تعالى -في حق الشعراء-: «أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ»؛ ولذلك يقول الدوحان:
أهيم في كل وادٍ
إلى هنا تظل الحالة حالة شاعريَّة ليست خاصة بالدوحان، لكنه حينما قال:
واسيل به قبل سيله
هنا تبرز الملامح (الدوحانية)، فمن المعلوم أنه لا سيل إلاَّ سيل الوادي، خاصة وأن الحديث هنا عن الوادي وهيمان الشاعر، لكن الشاعر حينما ذكر أنه يسيل قبل الوادي، فإنه يريد أن يقابل المعنوي بالحسي.
ومن المتناقضات التي ماثل بينها الدوحان في نصه هذا، قوله:
عقلت لحدود غادي
ضعت وخذوني دليله
فالتعقيل، الذي هو التقييد، يقابل الـ(غادي)، الذي هو الذهاب للبعيد
والضياع، يقابل أن يؤخذ هذا الضايع دليلاً.
فكم من المتناقضات يجمع هذين الفعلين؟!
ولو تابعنا التمعن في تتمة النص لوجدنا كذلك:
صبحي يباري = هجادي
أيضا يؤكد الشاعر هنا بأن صبحه وهجاده، الذي هو مهجعه ورقاده متباريان، بمعنى أنه لا فرق بين الاثنين، ولا شك أنه وإن كانت الحالة العاطفية تستلزم مثل هذه المفارقات، إلاَّ أن الشاعر استطاع بحرفنته الشعرية المزاوجة بين المختلفات، فكانت الصورة أشبه باللون الرمادي، الواقع تحت ضغط اللون الأسود، وفوق تصرف اللون الأبيض؛ ولذلك أكد الشاعر على صدق هذه النتيجة بقوله:
لما يكون الرمادي
لون الحياة الهزيلة
يعني الوقوف الحيادي
بينك وبين الفضيلة
هذه هي النتيجة الحتمية لكل هذه المتناقضات المجموعة في بوتقة واحدة، الهزلية ولا شيء غير الهزلية.
لكن ذلك يعني في عرف الدوحان الوقوف الحيادي؛ لأن الاختيارات ستكون حتمًا بالغة الصعوبة، خاصة في ظل الظروف العائمة، التي لا تعرف لوجهها حقيقة.