ثقافة

في ضيافة بيت

اليوم من طيبتي كل يهاوشني

حتى الذي طول عمره ما تحداني (*)


أرواح الشعراء كقلوب العصافير رقيقة، تفوح منها رائحة الحريَّة والطيبة والنقاء، ربما ندركها على مبسم الألم المغموس بطعم الصبر، الذي يتحدَّث به أيُّ شاعر شفيف الشعور، فيحدث أن نستفيق يومًا فيبتلعنا صمت الشكوى، ثم يحدث أن لا نعاتب، و لا نلوم، ونسدل الستار على أرواحنا، فلا نجد إلاَّ الشعر نرخي على كتفه خيباتنا، كاحتضار يباغت وجع القلب، ويخرج الحروف من دياجير الكلام، عندها يعجز اللسان فينطلق الشعر الكلام ليجول بمماليك الوجدان، ويدور في أفنان محيطه الواسع، فحين يلفنا يأس اللسان، ويدمي خواطرنا نتحسر فوق الغصون العارية، لا نرتدي إلاَّ لحاء نقائنا ينبجس من حس الوجدان وظلاله، فنجد فيه نفحة الطيب التي لا نجدها بالناس، فيسبغ ألقه علينا لننسى كل ما يقف في طريقنا، ويعصف بشعورنا، ويتمرس بعضلات لسانه علينا، هو فقط الشعر نملك زمامه بكلمة مبدعة، تخرجنا من ألمنا لنتسامى ونتساقى ألقًا، فالمواقف التي تمرُّ بكلِّ مَن هُم على شاكلة الشاعر هي مَن حرَّكت مشاعر الشاعر، وأثارت دهشته لمضامين الناس الحياتيَّة التي مرَّ بها كلٌّ منا، فيتدفق سيله بعفويَّة السهل الممتنع، وهي صفات الروح الشفَّافة الدافئة كمطر القلب تنقِّي واقعها من مرارة الناس، وتجمل مرارتها بهذا الهمس السامي، فالشاعر الذي يحمل مثل هذا الطيب تكون عواطفة سائلة رقيقة رقة شديدة، تنساب انسياب مجرى صافٍ يغمره دومًا جو اللطف والرصانة، ومن رقته جعلنا نلامس نقائه بأهداب قلوبنا، وتمكن من تنويم قلوبنا نحوه تنويمًا مغناطيسيًّا استقطبنا بصفاء روحه ورهافة حرفه، فكيف لا يكون وهو وشعره ربيب أديب ذي لطف وكياسة وتهذيب؟ يشجي السطور حتَّى تتراسل الحواس، وتتناسل من بصر القلب لبصيرة الشعور، فتصغي قلوبنا بلهفة، والتي تنقلها مخيلة الشاعر المتوهجة من شفق شهبه المشتعلة بالشعر، ونظل في عمليَّة احتراق لمعرفة ماذا يمرُّ به الشاعر عندما رسَّخ في قلوبنا صورة وجعه، وكأنَّ آلامه لحظة لهفة أخذته دون أن يدري، وتركته في إحدى محطات الحياة هائمًا في دروبها، بعد أن أمن مكرهًا، وترك لها عنان قلبه، فكان دميتها التي تحدته وتركته جريحًا يحاول بعد صدمته أن يتمالك نفسه حتَّى استرخى على مرافئ السطر؛ ليكتب لنا أنَّه لم يعد يعرف مَن الخاسر؟ ومَن الرابح؟ وليحمل حقائبه بعناء ويذهب لحضن الشعر، ولهول ما قدمه من عطاء، وقوبل به من خذلان يقف مشطورًا بين طيبته التي هي أهم صفاته وبين خذلان الناس له، تاركًا لنا -فقط- ورقة يخبرنا فيها أنَّ الثمرة الطيِّبة هي التي تبقى؛ لأنَّها لا تنمو إلاَّ في تربة التضحيات، أصلها قلبه الثابت، وجذورها ضاربة في أعماق الإبداع، لينتصر بعد ذلك النقاء، ويحيى الطيبون أحرارًا سالمين من كلِّ شرٍّ.

* البيت للشاعر د. سعود الصاعدي

أخبار ذات صلة

كايروكي وليجي-سي يشعلان انطلاقة صيف جدة بحفل كامل العدد 
كايروكي وليجي-سي يشعلان انطلاقة صيف جدة بحفل كامل العدد 
مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يعرض مبادراته في "كتاب كوالالمبور 2026"
مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يعرض مبادراته في "كتاب كوالالمبور 2026"
ندوة سعودية للفنون الأدائية في "كتاب كوالالمبور 2026"
ندوة سعودية للفنون الأدائية في "كتاب كوالالمبور 2026"
أدبي الطائف تنظم رحلة "الأدب والهايكنج" في الشفا
أدبي الطائف تنظم رحلة "الأدب والهايكنج" في الشفا
;
المقهى الثقافي بتبوك يناقش دور الأدب في تعزيز الصحة النفسية
المقهى الثقافي بتبوك يناقش دور الأدب في تعزيز الصحة النفسية
"كتاب كوالالمبور" يستضيف ندوة سعودية حول الكتابة والنقوش الصخرية
"كتاب كوالالمبور" يستضيف ندوة سعودية حول الكتابة والنقوش الصخرية
أبو شال تستكشف التقاطعات بين الموشحات الأندلسية والبانتون الماليزي
أبو شال تستكشف التقاطعات بين الموشحات الأندلسية والبانتون الماليزي
هيئة التراث تعثر على أكثر من 1700 أثرٍ في ميقات الجحفة الأثري
هيئة التراث تعثر على أكثر من 1700 أثرٍ في ميقات الجحفة الأثري
;
ندوة سعودية في "كتاب كوالالمبور" تستعرض دور الترجمة الأدبية في بناء الجسور الحضارية
ندوة سعودية في "كتاب كوالالمبور" تستعرض دور الترجمة الأدبية في بناء الجسور الحضارية
ندوة سعودية في "كتاب كوالالمبور" تؤصل أوجه الشراكة بين الموشحات الأندلسية والبانتون الماليزي
ندوة سعودية في "كتاب كوالالمبور" تؤصل أوجه الشراكة بين الموشحات الأندلسية والبانتون الماليزي
"ناشر" منصة للإصدارات السعودية المنوعة بمعرض كوالالمبور للكتاب 2026
"ناشر" منصة للإصدارات السعودية المنوعة بمعرض كوالالمبور للكتاب 2026
مكتبة الملك فهد الوطنية تعرض إصداراتها في "كتاب كوالالمبور 2026"
مكتبة الملك فهد الوطنية تعرض إصداراتها في "كتاب كوالالمبور 2026"
;
المهندس المعماري مختار الشيباني يُصدر كتاب "الدليل الكامل إلى علم الوصول الشامل في البيئة العمرانية"
المهندس المعماري مختار الشيباني يُصدر كتاب "الدليل الكامل إلى علم الوصول الشامل في البيئة العمرانية"
معرض عمارة الحرمين الشريفين يُوثِّق دور قاعدة العسكري في تنظيم حركة الطواف حول الكعبة المشرفة
معرض عمارة الحرمين الشريفين يُوثِّق دور قاعدة العسكري في تنظيم حركة الطواف حول الكعبة المشرفة
بتنظيم من "قيصرية الكتاب".. جمعية أدبي الطائف تحتضن جيولوجيا المعنى في النص المعاصر
بتنظيم من "قيصرية الكتاب".. جمعية أدبي الطائف تحتضن جيولوجيا المعنى في النص المعاصر
المستنسخات الأثرية السعودية تستحضر عمق التاريخ في "كتاب كوالالمبور 2026"
المستنسخات الأثرية السعودية تستحضر عمق التاريخ في "كتاب كوالالمبور 2026"