كتاب
فلسطين الأخرى.. فلسطين الكتابة
تاريخ النشر: 24 أكتوبر 2019 00:09 KSA
أن نكتب عن القدس تحديدًا، هذا يعني أنه علينا أن نخوض معركة بلا هوادة ضد الذاكرة الوهمية، وأن نعيد تركيب القطع الزجاجية للمدينة للحصول على القدس، قدس الكتابة التي ترتبط بالتاريخ الجمعي وتنفصل عنه.. لكن أيضًا قدس التاريخ الفردي والرؤية الذاتية.. أي في النهاية هي منجز جمعي ولكن لا قيمة له إذا لم تتم صياغته نصيًا لأنه سينتقل من الواقع الموضوعي باتجاه الرواية مما يعني بالضرورة بأن القدس قد تفقد شيئًا من انتمائها التاريخي، وتنحاز أكثر إلى فعل الكتابة بكل جانبه الجمالي الحر.
نكتب المدينة، لكن نكتب أيضًا جراحاتنا التي تسببت فيها هذه المدينة.. عن أي قدس سنتحدث إذن؟ تلك التي يريدها المسلم له وحده لأن بها من علاماته التاريخية والدينية الكثير؟، أم تلك التي يريدها المسيحي لأن بها كنيسة القيامة ودرب الآلام الذي قطعه سيدنا المسيح محملاً بصليبه؟ أم اليهودي الذي يبحث عن هيكل سليمان تحت المسجد الأقصى محملاً المسلمين مسؤولية تدميره مع أن التاريخ يقول شيئًا آخر؟ أم قدس التجاور الديني المتعدد في مدينة عرفت بتسامحها.. أي القدس التي تشكل مشتركًا إنسانيًا من ناحية الاعتقاد؟ أرض تآلفت فيها الديانات التوحيدية الثلاث.. مع رفض مسبق لمنطق الاحتلال الذي يريد أن يجعل من القدس معبرًا نحو تاريخه الافتراضي وسرقته التاريخ وتجييره لمصلحته.
هذه الأسئلة مجتمعة انتابتني وأنا أكتب رواية سوناتا لأشباح القدس، ماذا يمكن لكاتب عربي، من المغرب الكبير، مشبع بفلسطين وبقدسها كما تلقاها منذ اللحظة الأولى، أن يفعل؟ كيف يمكنه أن يكون فلسطينيًا ولو قليلاً، بعمله وتعاطفه، وأكثر، بكتاباته؟ هل يكتب رواية ليتخطى المسافات باللغة والمعاني المشبعة، لأن فلسطين في مخياله، ما تزال قضيته الأولى، وأن القدس عاصمتها أو جزء منها، حتى ولو يئس من إخوة الدم والتاريخ؟ لا يمكن لكاتب وصل إلى حالة إشباع قرائي وسياسي للحالة الفلسطينية، أن يقبل بما يفرض اليوم من حلول تعتبر فلسطين حالة منغصة لاستحالة حلها بدون كسر للتاريخ.. يريد أن يكتب تاريخًا روائيًا فيه ملمس التاريخ ولكن أيضًا الخصوصية، ويقول تلك اللحظة الصعبة التي لم ينتبه لها الآخرون.. لا رواية بدون تلك اللحظة الاستثنائية، التي تصنع الإبداع، وإلا سيصبح الفعل الأدبي سيلاً من الكلمات المكررة.. في الرواية التاريخية معاناة شديدة لا توصف.. لابد من أن يكون هناك عنصر ما في هذا التاريخ جعل الهزائم تتكرر باستمرار، وفي حقب مختلفة، وبأشكال تكاد تكون متشابهة، وكأن الزمن لم يتغير، أو كأنه يتغير بالعودة إلى الوراء.. أو ربما هناك نقطة في مساحة دائرية، كلما ابتعد عنها، وجد نفسه فيها في دوامة تكاد تتحول إلى قدر متكرر لا يمكن تفاديه.
ثم عن أي قدس سأتحدث وأنا أقلب أوراق التاريخ المرتبك؟ عن أي فلسطين سأكتب؟ فلسطين التاريخ كما في ثورتها الأولى التي صادفت بشكل غريب الحرب الأهلية الإسبانية؟ التاريخ كما عرفناه قبل 48؟، فلسطين المقاومة التي لم تتوقف أبداً؟ أم فلسطين الأمر الواقع؟
حالات ثلاث تتحكم في تراجيدية الكتابة اليوم عن فلسطين.. فلسطين التاريخية تغيرت كثيرًا منذ قرار التقسيم الذي صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/1947، ورفضه العرب متّكلين على جيش إنقاذ عجز عن إنقاذ نفسه من هزيمة قاسية.. لم يعد هذا التاريخ موجودًا بعد أن نهبت إسرائيل فلسطين كلها، حتى ما سمي دولة فلسطين، لم يبق منه الشيء الكثير.. فلسطين المقاومة؟ بدأت تضمحل منذ القبول باتفاقيات أوسلو.. انتهت الانتفاضة الأولى والثانية، والانتفاضة الثالثة أصبحت شبه مستحيلة.. فلسطين الأمر الواقع؟ هي فلسطين اليوم، عرضة لكل عمليات الإفناء داخل اليأس العربي المعمم.. مع أية فلسطين يتعامل الكاتب العربي اليوم؟، تلك حيرته القصوى وسؤاله المستعصي.
نكتب المدينة، لكن نكتب أيضًا جراحاتنا التي تسببت فيها هذه المدينة.. عن أي قدس سنتحدث إذن؟ تلك التي يريدها المسلم له وحده لأن بها من علاماته التاريخية والدينية الكثير؟، أم تلك التي يريدها المسيحي لأن بها كنيسة القيامة ودرب الآلام الذي قطعه سيدنا المسيح محملاً بصليبه؟ أم اليهودي الذي يبحث عن هيكل سليمان تحت المسجد الأقصى محملاً المسلمين مسؤولية تدميره مع أن التاريخ يقول شيئًا آخر؟ أم قدس التجاور الديني المتعدد في مدينة عرفت بتسامحها.. أي القدس التي تشكل مشتركًا إنسانيًا من ناحية الاعتقاد؟ أرض تآلفت فيها الديانات التوحيدية الثلاث.. مع رفض مسبق لمنطق الاحتلال الذي يريد أن يجعل من القدس معبرًا نحو تاريخه الافتراضي وسرقته التاريخ وتجييره لمصلحته.
هذه الأسئلة مجتمعة انتابتني وأنا أكتب رواية سوناتا لأشباح القدس، ماذا يمكن لكاتب عربي، من المغرب الكبير، مشبع بفلسطين وبقدسها كما تلقاها منذ اللحظة الأولى، أن يفعل؟ كيف يمكنه أن يكون فلسطينيًا ولو قليلاً، بعمله وتعاطفه، وأكثر، بكتاباته؟ هل يكتب رواية ليتخطى المسافات باللغة والمعاني المشبعة، لأن فلسطين في مخياله، ما تزال قضيته الأولى، وأن القدس عاصمتها أو جزء منها، حتى ولو يئس من إخوة الدم والتاريخ؟ لا يمكن لكاتب وصل إلى حالة إشباع قرائي وسياسي للحالة الفلسطينية، أن يقبل بما يفرض اليوم من حلول تعتبر فلسطين حالة منغصة لاستحالة حلها بدون كسر للتاريخ.. يريد أن يكتب تاريخًا روائيًا فيه ملمس التاريخ ولكن أيضًا الخصوصية، ويقول تلك اللحظة الصعبة التي لم ينتبه لها الآخرون.. لا رواية بدون تلك اللحظة الاستثنائية، التي تصنع الإبداع، وإلا سيصبح الفعل الأدبي سيلاً من الكلمات المكررة.. في الرواية التاريخية معاناة شديدة لا توصف.. لابد من أن يكون هناك عنصر ما في هذا التاريخ جعل الهزائم تتكرر باستمرار، وفي حقب مختلفة، وبأشكال تكاد تكون متشابهة، وكأن الزمن لم يتغير، أو كأنه يتغير بالعودة إلى الوراء.. أو ربما هناك نقطة في مساحة دائرية، كلما ابتعد عنها، وجد نفسه فيها في دوامة تكاد تتحول إلى قدر متكرر لا يمكن تفاديه.
ثم عن أي قدس سأتحدث وأنا أقلب أوراق التاريخ المرتبك؟ عن أي فلسطين سأكتب؟ فلسطين التاريخ كما في ثورتها الأولى التي صادفت بشكل غريب الحرب الأهلية الإسبانية؟ التاريخ كما عرفناه قبل 48؟، فلسطين المقاومة التي لم تتوقف أبداً؟ أم فلسطين الأمر الواقع؟
حالات ثلاث تتحكم في تراجيدية الكتابة اليوم عن فلسطين.. فلسطين التاريخية تغيرت كثيرًا منذ قرار التقسيم الذي صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/1947، ورفضه العرب متّكلين على جيش إنقاذ عجز عن إنقاذ نفسه من هزيمة قاسية.. لم يعد هذا التاريخ موجودًا بعد أن نهبت إسرائيل فلسطين كلها، حتى ما سمي دولة فلسطين، لم يبق منه الشيء الكثير.. فلسطين المقاومة؟ بدأت تضمحل منذ القبول باتفاقيات أوسلو.. انتهت الانتفاضة الأولى والثانية، والانتفاضة الثالثة أصبحت شبه مستحيلة.. فلسطين الأمر الواقع؟ هي فلسطين اليوم، عرضة لكل عمليات الإفناء داخل اليأس العربي المعمم.. مع أية فلسطين يتعامل الكاتب العربي اليوم؟، تلك حيرته القصوى وسؤاله المستعصي.