كتاب

«وليس رئيسُ القوم مَن يحملُ الحقدا»

أغبطُ رابطةَ العالمِ الإسلاميّ لما أقدمتْ عليه مؤخراً في افتتاح المتحفِ الدولي للسيرةِ النبويةِ بطيبةَ الطيبةِ في الساحة المقابلة لباب السَّلام غرب المسجد النبويّ، وليس هذا موضوعَنا، إنَّما المحتوى الثمين الذي تضمّنه المتحف. وقد تجوّلنا في حدائق السيرة النبوية، والخُلُق العظيم الذي يتحلَّى به سيِّد العربِ والعجمِ، وكان في طليعة سجاياه (العفوُ)، وهو تركُ المؤاخذةِ بالخطأِ والتَّجاوزُ عنه وعدمُ المعاقبةِ. والعفوُ صفةٌ من صفاتِ اللهِ عزَّ وجل، يقولُ سبحانه عن نفسه: (وكان اللهُ عفوّاً غفوراً). إنَّ سيدَ البشرِ وقدوتَنا علَّمنا الدُّعاءَ عندما سألتْه أمُّ المؤمنين السيدة عائشةُ: ماذا أقول إن علمت ليلة القدرِ؟، فقال صلى الله عليه وسلَّم: «قولي: اللهمّ إنَّك عفوٌّ تحبُ العفوَ فاعفُ عنَّا».

قال المُقنع الكِندي:


وإنَّ الذي بيني وبين بني أبي

وبين بني عمِّي لمختلفٌ جدا.


فإن يأكلوا لحمي وفّرتُ لحومَهم

وإنْ يهدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا

ولا أحملُ الحقدَ القديمَ عليهمُ

وليس رئيسُ القومِ مَنْ يحملُ الحقدا

وقال عنترة بن شداد:

لا يحملُ الحقدَ مَنْ تعلو به الرُّتب..

ولا ينال العُلا مَنْ طبعُه الغضب.

العقلاء يدركون أن الإنسانَ يعفو ليستريح ويدخل السرور ويريحَ نفسَه من تبعات العداوة .

ولعلِّي أستشهدُ بقول الإمام الشافعي رحمه الله: لمَّا عفوتُ ولم أحقدْ على أحدٍ أرحتُ نفسي من هَمِّ العداواتِ إنِّي أُحيِّي عدوّي عند رؤيتِه لأدفعَ الشرَّ عنِّي بالتحياتِ كما نتعلَّم من قصة سيدنا يوسفَ -عليه السلام- الكثير من الفوائد والعِظات، من بينها عفوُه عن إخوانه الذين كادوا له، وقوله بعد أن أصبح عزيزاً في مصرَ كما جاء بالآية الكريمة: (إنه من يتقِ اللهَ ويصبرْ فإن الله لا يُضِيع أجر المحسنين) إلى أن قال -كما ورد في الآية-: (لا تثريبَ عليكم اليوم يغفر اللهُ لكم وهو أرحمُ الراحمين). ولا غروَ في ذلك، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان العفوُ سجيّتَه، وطبعاً من أطباعه، ونتعلم من موقفه عند المجيء لصلح الحديبية، والمفاوض الذي جاء من مكة وهو سهيل بن عمرو، وكلنا يذكر الموقف عندما رفض سهيل أثناء الكتابة ما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يكتبه وهو (محمد رسول الله)، وأصرَ على كتابة (محمد بن عبد الله)، قائلاً: «لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولم نكذّبك»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امحها يا علي».. وحين أسلم سهيل يوم فتح مكة عفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرَ الناس بعدم التعرض إليه بشيء. لقد عفا سيد البشر عن عكرمة بن أبي جهل، وعفا عن أبي سفيان، ليس هذا فحسب، بل قال: «منْ دخل دار أبي سفيان فهو آمنُ، وعفا عن كثير ممن أساءوا إليه، وكان دوماً لا ينتصر لنفسه ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكنْ يعفو ويصفح، وهذه هي شيمُه صلى الله عليه وسلَّم. ولعلنا نستلهمُ استراتيجية (امحُها يا عليّ) التي وضع النبي صلى الله عليه وسلم مرتكزاتها، ونطبِّقُها في مختلف مجالات المعاملات الإنسانية، فنغرس من خلالها قيم المحبة والتراحم والتكافل ليكون مجتمعُنا قدوة تجسّد صورة المجتمع المسلم الذي يشد بعضه بعضاً.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة