كتاب

قراءة متأنية لكتاب القصص القرآني لـ(الحوّاس) (2)

أواصل قراءاتي لكتاب القصص القرآني متوازياته التوراتية (أساطير الأولين) للأستاذ فراس الحوّاس، حيث حشد له روايات من الإسرائيليات والموضوعات، للتشكيك في صحة القرآن الكريم؛ إذ يستمر في ذلك بقوله:

ثالثًا: «ويقال بالمقابل إنّ مصحف عثمان الموحد قد أسقط من نصه أكثر من آية، لعدم ثبوتها عن طريق شاهدين، ويبقى العلم عند الله أن تكون من القرآن أم لا: فقد روي عن عائشة قولها: كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرِّمن».. وروي عنها أيضًا: «لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرًا. ولقد كانت في صحيفة تحت سرير، فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل الداجن فأكلها»، (ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، بيروت ص 310).. (الحواس: ص 30).


فهذا من الأحاديث الموضوعة؛ إذ تزعم أنّ هذه آية كانت في كتاب الله تعالى ثم نسخت تلاوتها ولم ينسخ حكمها، فقد روى الدارقطني وابن ماجة عن عائشة أنّها قالت: «لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشرا. ولقد كان في صحيفة تحت سريري. فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها. وروى هذا الحديث أيضًا الإمام أحمد في مسنده بلفظ: «لقد أنزلت آية الرجم ورضعات الكبير عشرًا فكانت في ورقة تحت سرير في بيتي، فلما اشتكى رسول الله تشاغلنا بأمره ودخلت دويبة لنا فأكلتها».. فهل تصدق أنّ آيتيْن من كتاب الله تعالى نسختهما داجن أو دويبة (دابة صغيرة) ومتى؟ بعد وفاة الرسول الكريم، كما في رواية الدارقطني وابن ماجه وابن حنبل، وهل يُعقل أنّ في القرآن آية عن إرضاع الكبير، وكيف يجوز للكبير أن يرضع من امرأة غير محرمه، ثمّ هل الكبير يرضع؟، كما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن» (مسلم: كتاب الرضاع؛ باب التحريم بخمس رضعات).

أليس في هذا القول إساءة لكتاب الله، ولرسوله الكريم، وأنّ نسخة القرآن الكريم التي بين أيدينا غير كاملة، وأنّ الرسول الكريم غير أمين على الوحي، يضع نسخة القرآن الكريم تحت سريره لتأكل من «دابة صغيرة»، فتنسخ من القرآن الكريم ما أكلته؟.


فهذه الروايات موضوعة للأسباب التالية:

1- تناقضها مع قوله تعالى: (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).. وقوله تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، أي لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل ولا ينزل من بعده يبطله وينسخه.

2- تجاهل كتابة ما نزل من القرآن الكريم فور نزوله من قبل كتبة الوحي، فلا توجد نسخة واحدة من القرآن الكريم.

3- تجاهل العرضات السنوية للقرآن الكريم التي كان يعرض الرسول الكريم فيها على سيدنا جبريل، وفي سنة وفاته عليه الصلاة والسلام كانت عرضتان؟.

أ- اتهام النبي عليه الصلاة والسلام بعدم الأمانة في تبليغه ما يوحى إليه، والحفاظ عليه.

ب- قد بيّنتُ في الحلقة الماضية أنّ ما تسمى بآية الرجم من الإسرائيليات، وأسلوبها يتعارض مع الأسلوب القرآني.

رابعًا: وصفه عملية جمع القرآن بالغموض، فيقول: «هذا الغموض الذي يحيط بعملية جمع القرآن خلال العقديْن اللذيْن أعقبا وفاة الرسول؛ يوضح لنا سبب وجود اختلافات في عدد سور القرآن في مصاحف الصحابة، إضافة إلى اختلافات في القراءة، فمصحف عبدالله بن مسعود كان يحتوي على 112 سورة بدل من 114 سورة في المصحف العثماني، لأنّه ترك المعوذتيْن لظنِّه أنّهما ليستا من القرآن، فكان يرى النبي يُعوِّذ بهما الحسن والحسين في صغرهما بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامة»، وغير ذلك ممّا ليس في القرآن، وفي رواية أخرى أنّ مصحف ابن مسعود تنقصه الفاتحة أيضًا، وبذلك يكون عدد سوره (111) سورة. (الحوّاس: ص 19).

هذه رواية موضوعة كما ذكر ابن حزم والنووي، وتوجد روايات أخرى تؤكد وجود المعوذتيْن في مصحف عبدالله بن مسعود، فها هو ابن حزم يقول: «وأمّا ما روي عنه في المعوذتين فقد عارضه ما هو أصح منه، وهو نقل أئمة القراء لهما عنه، فقراءة عاصم وحمزة والكسائي مسندة بالأسانيد المتصلة بابن مسعود، كما قال الداني والجزري، وقد ثبتت المعوذتان في هذه القراءات، وهذه مصاحف العالم اليوم برواية حفص عن عاصم وفيها المعوذتان».. وقال أيضًا في المحلى: «كل ما روي عن ابن مسعود من أنّ المعوذتين، وأم القرآن لم يكونا في مصحفه، فكذب موضوع لا يصح، وإنّما صحت عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود فيها أم القرآن، والمعوذتان.

وقد تابع النووي ابن حزم في ذلك فقال في المجموع: «أجمع المسلمون على أنّ المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف، قرآن، وأنّ من جحد شيئا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل».. فلماذا لم يورد الحواس ما ذكره ابن حزم والنووي بشأن الزعم الكاذب حول عدم اعتبار ابن مسعود المعوذتين من القرآن، وغيرها من الروايات التشكيكية الذي يفرضه عليه المنهج العلمي في التحقق من صحة الروايات التي يوردها؟.. ثم ما هي صفة الغموض التي يريد إلصاقها بجمع القرآن الكريم، مع أن جمعه واضح لا لبس فيه ولا غموض؟.

للحديث صلة..

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ