كتاب

طقوس الضيافة: طريقة الإنسان في استحضار وجوده الهَش

يُعدُّ مفهوم الضِّيافة مفهومًا مهمًّا في الثَّقافة العربيَّة عبر تاريخها، وحتَّى اليوم. وهو مفهومٌ اجتماعيٌّ ثقافيٌّ يُخفِي خلفه منظومةً من القِيم والمبادئ والعادات والتقاليد الاجتماعيَّة، ما يجعل تناوله همًّا فلسفيًّا، يأتي ضمن سياق مبحث الأخلاقيَّات في الفلسفة.

ترتبط الضيافة بالتماس مع الآخر، وهذا ما يجعلها شأنًا ذات أبعادٍ فلسفيَّة واجتماعيَّة حسَّاسة. لكنَّها مفهوم محايد في الأساس، يفسِّر ممارسة إنسانيَّة معيَّنة، ويمكن أنْ تُوسم بالسُّوء أو الحُسن (سُوء الضيافة، وحُسن الضيافة)، انطلاقًا من التَّجربة الإنسانيَّة.


من هنا أصبحت مبحثًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا وفلسفيًّا في الوقت ذاته، وتُدرس من زوايا نظريَّة وتطبيقيَّة مختلفة، فيتناول الباحثون تعريفها، وتفنيد مصطلحاتها، ووصف الظَّواهر المرتبطة بها، والتَّفصيل في شروطها وآدابها وحدودها.

وكثيرًا ما يتَّصل مفهوم الضيافة بالكرم، حتَّى تكون أحيانًا مرادفًا له، وكما يكون الكرمُ كرمَ نفسٍ، أو يدٍ، أو خُلُقٍ، فإنَّ الضيافة يمكن أنْ تحتمل كلَّ هذا.


من هنا يكون التَّركيز غالبًا على بُعد البذل والعطاء عند الحديث عن الضيافة؛ لأنَّها تمثِّل في واحدٍ من أشهر وجوهها مفهومًا يعكسُ فضيلةً إنسانيَّةً يمارسها الإنسانُ تجاه أخيه الإنسان (وتجاه الكائن الحي). ويرتبط بهذا المفهوم، ذلك البُعد الأنثروبولوجي للضيافة، وما يتعلق بها من طقوس وتقاليد، تبدأ بفكرة الاستضافة، مرورًا بالدَّعوة وعادات الاستقبال اللفظيَّة وغير اللفظيَّة، وانتهاء بتقديم الطعام والشراب والمأوى.

هذا لا يعني أنَّ دلالة العطاء تخلو من لمحةٍ فلسفيَّةٍ، فالإنسانُ يعيش على الأخذ والبذل، وبالتَّفكير في رحلة تقوم على تقديم العطاء واستقباله، فإنَّ الضيافة تشكِّل -وفقًا لهذا- اختصارًا للرِّحلة البشريَّة في الوجود. لكنَّ وجوهًا أُخْرى للضيافة يمكن -بالنَّظر إليها- الوقوف على أبعادٍ وجوديَّةٍ فلسفيَّةٍ أكثر عمقًا ربما، فبجانب دلالة العطاء الطَّاغية والمرتبطة بالبُعد الاجتماعي للنشاط، يمكن النَّظر للضيافة بوصفها علامةً على الحدود بين الذَّات والآخر، وبذلك تكون مظهرًا من مظاهر الاتِّصال بالآخر، لتُسهم بذلك في تعريف الذَّات، وتوضيح طبيعة الآخر.

ليس هذا وحسب، بل يمكن التعمق أكثر -في هذا البعد الفلسفي- بالنظر إلى الضيافة بوصفها علامة على الوجود الإنساني الهش، حين تصبح نموذجاً إنسانياً يشير إلى حقيقة وجودنا المؤقت -والمستعار ربما- في هذه الحياة، لنصبح بذلك ضيوفاً على الوجود، ولعل في هذا شيئاً مما يتضمنه مفهوم هايدقر الشهير (الدازاين)، وهو الذي يقول: «الإنسان لا يتجلى في ماهيته إلا من حيث كونه مدعواً من قبل الوجود».

ولعلَّنا -بني البشر- باستثمار وتكريس الضيافة (مفهومًا وممارسةً) في يوميَّات حياتنا، نستحضر وجودنا المؤقَّت، وضيافتنا في هذا الكون، فنحاكيه، ونجعله انعكاسًا تطبيقيًّا لما نتصوُّره من وجودنا.

هذا يقودني إلى القول إنَّ الفرق بين النَّظرة العربيَّة والغربيَّة تجاه الضيافة لا يبدو كبيرًا، ولعلَّ نقطة الاختلاف تكمن في تركيز الثَّقافة العربيَّة على البُعد الأخلاقي للضيافة، بينما أخذها الفكر الغربي نحو آفاق سياسيَّة وفلسفيَّة أوسع. وتحكي كتب التُّراث العربيَّة عن أهميَّة الضَّيف والضيافة في الثَّقافة العربيَّة منذ عصور ما قبل الإسلام، وهي أهميَّة أنتجتها الجغرافيا حين وجد العربي نفسه في خضم صحراء ممتدة شحيحة الموارد، عدوانيَّة الطباع. هذا يعني أنَّ ظاهرة الكرم العربيَّة، وما يستتبعها من تقاليد وعادات الضيافة، جاءت نتيجة حتميَّة لظروف المكان والزَّمان، ولم تكن يومًا ترفًا أخلاقيًّا.

أخبار ذات صلة

أيُّها الأمينُ: اجعلها رخاءً وبلاش شِدَّة!!
أفراح وخراب بيوت!!
البالون لا يكبر وحده!!
كاوست.. جدارة الاستحقاق لا التحيز
;
شبيهة «الخلية» ليست «خلقًا» من العدم!!
حلمك ينتظر شجاعتك
شاهين - إكس
رُخْـص المهــور
;
«رحلة في فكر عبدالله دحلان»
بين جمهوريتين
(ابن زويبن).. وذاكرة تستحق أن تُحفظ
زفاف إلى الجنان.. بإذن الرحمن
;
كيف تتآكل القوة الناعمة للدول؟
حين تذبل رسالة الجامعة
السعودية تفتح أبوابها للعالم.. أهلا بمن جاءنا محبًا
الاستثمار في الإنسان.. قيمة واستدامة