كتاب

أين برنامج (وظيفتك وبعثتك) من التطبيق؟!

‏لم يكن برنامج الابتعاث الخاص للطلبة السعوديين وليد صدفة، بل عبر استهداف إستراتيجي لبناء الوطن من خلال إعداد أبنائه لإدارة دفة التطور.. وكان ذلك منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز - طيب الله ثراه-، حيث كانت أول دفعة أُرسِلَت إلى مصر عام 1346هـ، ثم توالت البعثات إلى بريطانيا وغيرها.. وأُنشِئت مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة من أجل إعداد الطلبة للدراسة في المجتمعات الأخرى، والتعرف على ثقافتهم، وكيفية التعامل معهم.. واستمرت هذه البعثات في التوسع على مدار عقود، حتى وصلت إلى برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – يرحمه الله- للابتعاث الخارجي، والذي ساهم في إحداث نقلة نوعية في إعداد الكوادر البشرية القادرة على البناء والتطوير للدولة، وفي كافة المجالات.

‏وفي عام ١٤٣٦هـ أُطلق برنامج (وظيفتك وبعثتك) في ظل بروز مؤشرات تدل على تأخر بعض المبتعثين في الحصول على الوظائف المناسبة لتخصصاتهم والمحققة لطموحاتهم، بل وبعضهم اصطف مع العاطلين عن العمل!!، مما تطلب تدارك الأمر من الجهات المسؤولة؛ فقامت المرحلة الثالثة في الابتعاث على الربط المباشر بين الوظيفة والبعثة في التخصصات ذات الاحتياجات الكبير، بحيث يتم تحديد الوظائف أولاً، ثم يتم على ضوئها تحديد عدد المقاعد الدراسية في الخارج والتخصصات المطلوبة للابتعاث، ومن ثم الإعلان عنها، حيث يجري ترشيح المتقدمين للبعثة وفق احتياج هيئات القطاع العام، والتخصصات، والمستويات الدراسية.


‏كما شهد عهد خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله- تحولات كبرى، انعكاساً لرؤية المملكة ٢٠٣٠م، التي أطلقها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان –يحفظه الله- لاستحداث ابتعاث مواكباً للعصر، ومحققاً لأهداف المملكة الاستراتيجية، ‏وربط الابتعاث ‏بسوق العمل، ورفع كفاءته، وتطوير وتنظيم إدارته، للمساهمة في تحقيق الرؤية السامقة ٢٠٣٠م، وأصبح الابتعاث يعتمد على تخصصات محدودة في: الطب، والتخصصات الصحية، والهندسة، والتقنيات، ومنها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.

‏وبلغ مجموع المبتعثين أكثر من مائة ألف مبتعث ‏لدول تتقدمها أمريكا، وبريطانيا، واستراليا، ‏ثم بعثات للدول الأوروبية، بالإضافة إلى الصين، واليابان، وسنغافورة.. ‏وحقيقةً، تبذل الدولة عشرات الآلاف من الدولارات سنوياً على المبتعث ومرافقيه، وإحصائياً تصل للملايين من الدولارات على برنامج الابتعاث.. وذلك إيماناً منها بأهمية الاستثمار في الإنسان، لأنه ركيزة التنمية الوطنية.


‏وقد أثبت المبتعث السعودي كفاءة وتميُّز عن سائر الطلاب الآخرين، بما يمتلك من قِيَم، وطموح، وشغف، بل بما يمتلك من ذكاءٍ وفطنة، ‏وسجل الآلاف من الطلاب والطالبات براءات اختراع، ومنها على سبيل المثال: «اختراع ريموت، أو جهاز تحكم ذكي»، اخترعه الطالب السعودي رأفت بن صالح مدني مبتعث لنيل الدكتوراة، حيث اخترع جهاز تحكم إلكتروني ذكي يتعرف إلى المستخدم، ويتيح له المشاهدة التلفزيونية المناسبة طيلة سنوات عمره. ومنها أيضاً حصول الطالب سليمان بن حمد آل حطاب، المبتعث لدرجة البكالوريوس، تخصص نظم معلومات وحاسب آلي، على أفضل فكرة، وهي مشروع تقنية «السير الذاتية الذكية»، وهناك الطالب د. إبراهيم رضواني، الذي اخترع عمل سقالات طبية لمقاومة هشاشة العظام باستخدام الليزر، وقد سجل لدى المكتب الأمريكي للاختراع والعلامات التجارية.. وغيرهم الكثير.. وفي كافة المجالات العلمية.

‏ولكن، ماذا بعد ذلك؟! للأسف أن البعض منهم يألفون تلك المجتمعات، وتتلقّفهم الشركات والمنظمات للعمل فيها، والاستفادة من مهاراتهم وخبراتهم.. فلا يعودون للوطن، ويبقون هناك عشرات ‏السنين دون استفادة الوطن منهم، بحجة أنهم لم يجدوا الوظائف التي تُحقِّق طموحاتهم وتخصصاتهم.. في الوقت الذي ينتظرهم آباؤهم وأمهاتهم بفارغ الصبر.. والشعور بالسعادة بإنجازاتهم لتحقيق الأهداف الوطنية بعد غيبة العديد من السنوات، والاستمتاع بحياتهم الأسرية معهم.. وحتماً المستفيد الأكبر من هذا، هي تلك المجتمعات التي تتلقفهم وتمنحهم إقامة دائمة، وتسهيلات كبرى للبقاء!!.

‏ولكن، أليس الوطن أولى بهذه الكوادر البشرية والعمل على إعادتها فور انتهاء الدراسة؟.. لماذا لا يكون هناك متابعة من الملحقيات الثقافية بضرورة إنهاء البعثة والعودة للوطن فور الحصول على الشهادة المطلوبة؟، بل والبحث لهم عن وظائف تتناسب مع تخصصاتهم؛ فبرنامج (وظيفتك وبعثتك) ‏لابد أنه قد ركز في الابتعاث على التخصصات، ومن حق المبتعث أن يعود لخدمة وطنه وأمته، ويحقق الحياة الكريمة له، والتي تساهم في تحقيق ذاته واستقراره بعد دراسة مضنية وغربة، ليكون عضواً فاعلاً في المجتمع؛ فهجرة العقول السعودية هي خسارة كبرى، وعودتها يعني الكثير من التقدير وإشباع نهمها في التميز والإبداع وخدمة الوطن، فهم الثروة الحقيقية التي لابد من وضع إجراءات دقيقة لعودتها وإشراكها في التنمية والتطوير.. فهل يتحقق ذلك في القريب العاجل؟.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة